(ولم يختلف أهل النقل في أن الخمر قد كانت مباحةً في أول الإسلام، وأن المسلمين قد كانوا يشربونَها بالمدينة، ويتبايعون بها، مع علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وإقرارِهم عليها، إلى أن حرَّمها الله تعالى:"إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ..."، وقد كانت محرَّمةً قبل ذلك في بعض الأحوال، وهي أوقات الصلاة، بقوله تعالى:"وَلَا تَقْرَبُوا"، وأن بعض منافعِها قد كان مباحًا، وبعضها محظورًا بقوله تعالى:"قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ"إلى أن تم تحريمها بقوله تعالى:"فَاجْتَنِبُوهُ") [3] .
ولنتأمل قول الإمام الجصاص حين يُقرِّر أن الخمر كانت مباحةً في أول الإسلام، وجاء الإسلام والناس يُدمِنون الخمر، فتتجلَّى حكمة هذا الدين في اختيار الأولويات، وتحديد نقطة البَدْء، ورسم خطة العلاج.
إن العلاج يبدأ من داخل النفس، فلم يتكلم في بداية الأمر عن تحريم الخمر، ولم يجعلها قضية تستحق البحث في هذه المرحلة من بداية الدعوة، فكانت العناية متَّجِهة نحو تصحيح العقيدة، والدعوة إلى توحيد الله تعالى وتعظيمه، فلما صار حبُّ الله تعالى أعظمَ الأمور، صغُر أمرُ الخمر وتضاءل، فلما أمرهم بالتحريم شيئًا فشيئًا كانت الاستجابة للأمر، وانتهى الناس عن تعاطيها، بل صاروا يكرهونها، ويكرهون شربها وشاربها وبائعها، وصنعها وصانعها وربحها، وكل ما يتصل بها.
يقول الشيخ القرضاوي، متحدثًا عن مراعاة سنة التدرج:
(وهذه السنة الإلهية في رعاية التدرج، ينبغي أن تتبع في سياسة الناس، وعندما يراد تطبيق نظام الإسلام في الحياة، واستئناف حياة إسلامية متكاملة، فإذا أردنا أن نقيم"مجتمعًا إسلاميًّا حقيقيًّا"، فلا نتوهم أن ذلك يتحقق بجرَّة قلم، أو بقرار يصدر من ملك أو رئيس، أو مجلس قيادة أو برلمان؛ إنما يتحقق ذلك بطريقة التدرج؛ أي بالإعداد والتهيئة الفكرية والنفسية، والأخلاقية والاجتماعية، وهو نفس المنهج الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم لتغيير الحياة الجاهلية إلى حياة إسلامية ... ) [4] .