وبديهي لمن عرف فطرة الإسلام وتملى من روحه أن ما غلب جانب المفسدة فيه على جانب المصلحة كان حريا بالتحريم، كما أنه من البديهي أن المؤمن بالله يتحرى ما فيه الأجر والثواب لا ما فيه العقاب والتأثيم، وبذلك كان الجواب في شأن الخمر والميسر ضدهما لا في صالحهما، وإنذارا لمن لا يزال مبتلى بالإدمان عليهما، بقرب أجل تحريمهما تحريما صريحا لا رجعة فيه، وذلك عندما ينزل قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
وقد أثبتت الأيام صدق نظر الإسلام، فأجمع علماء الطب، وعلماء الاقتصاد، وعلماء الاجتماع، الجديرون بحمل هذه الصفة، على أن الخمر والميسر لهما من الآثار الفاسدة على حياة الأفراد والجماعات ما يعتبران معه من أكبر أعداء الإنسانية، ومن أعظم عوامل التخريب والتدمير للحضارة والمدنية، وقد تكونت لمحاربتهما في مختلف البلدان ومن مختلف الملل والنحل عدة هيآت دولية، ونادت بمكافحتهما منظمة الصحة العالمية نفسها، وكان الإسلام هو
الرائد الأول للجميع في هذا الميدان الاجتماعي الإصلاحي الخطير كشأنه في بقية الميادين.
وأمامنا آية كريمة ينبغي الوقوف عندها لتوضيح معناها وتحديد مداها في موضوع زواج المسلم بغير المسلمة، وهي قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} . فهذه الآية الصريحة تنبه المسلمين إلى أن وحدة العقيدة التي ينطوي عليها قلب الزوج والزوجة أمر مطلوب ومرغوب، بل أمر ضروري لوحدة الأسرة وأمنها واستقرارها، إذ من المستحيل أن تقوم رابطة الزواج من الناحية المادية الصرفة مقام العقيدة الأساسية التي ينطوي عليها قلب الزوج والزوجة، والتي تضمن اشتراكهما الفعلي في نظرة واحدة، ومن زاوية واحدة، إلى الحياة الدنيا والحياة الأخرى معا، وفي نظرة واحدة، ومن زاوية واحدة، إلى القيم الروحية والأخلاقية التي يجب أن تسود حياة الأسرة والأولاد.