الْإِقَامَةِ ، وَقَدْ نَقَلَ أَهْلُ السِّيَرِ وَغَيْرُهُمْ إنْشَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّفَرَ فِي رَمَضَانَ فِي عَامِ الْفَتْحِ ، وَصَوْمَهُ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ ، وَإِفْطَارَهُ بَعْدَ صَوْمِهِ ، وَأَمْرَهُ النَّاسَ بِالْإِفْطَارِ ، مَعَ آثَارٍ مُسْتَفِيضَةٍ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ إلَى ذِكْرِ الْأَسَانِيدِ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} مَقْصُورٌ عَلَى حَالِ بَقَاءِ الْإِقَامَةِ فِي إلْزَامِ الصَّوْمِ وَتَرْكِ الْإِفْطَارَ.
وقَوْله تَعَالَى: {فَلْيَصُمْهُ} قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ تَكَلَّمْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ} وَمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ وَحَوَاهُ مِنْ الْمَعَانِي بِمَا حَضَرَ ، وَنَتَكَلَّمُ الْآنَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ {فَلْيَصُمْهُ} وَمَا حَوَاهُ مِنْ الْأَحْكَامِ وَانْتَظَمَهُ مِنْ الْمَعَانِي ، فَنَقُولُ: إنَّ الصَّوْمَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: صَوْمٌ لُغَوِيٌّ وَصَوْمٌ شَرْعِيٌّ ؛ فَأَمَّا الصَّوْمُ اللُّغَوِيُّ فَأَصْلُهُ الْإِمْسَاكُ ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ دَوَّنَ غَيْرِهِمَا ، بَلْ كُلُّ إمْسَاكٍ فَهُوَ مُسَمًّى فِي اللُّغَةِ صَوْمًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} وَالْمُرَادُ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْكَلَامِ ، يَدُلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِيبَهُ: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إنْسِيًّا} .