وَأَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُسَافِرِ الْإِفْطَارَ ، وَلَيْسَ لِلسَّفَرِ حَدٌّ مَعْلُومٌ فِي اللُّغَةِ يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ أَقَلِّهِ وَبَيْنَ مَا هُوَ دُونَهُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلسَّفَرِ الْمُبِيحِ لِلْإِفْطَارِ مِقْدَارًا مَعْلُومًا فِي الشَّرْعِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا:"مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا"وَقَالَ آخَرُونَ:"مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ"وَقَالَ آخَرُونَ:"مَسِيرَةُ يَوْمٍ"وَلَمْ يَكُنْ لِلُّغَةِ فِي ذَلِكَ حَظٌّ ؛ إذْ لَيْسَ فِيهَا حَصْرُ أَقَلِّهِ بِوَقْتٍ لَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعَادَةِ ، وَكُلُّ مَا كَانَ حُكْمُهُ مَأْخُوذًا مِنْ الْعَادَةِ فَغَيْرُ مُمْكِنٍ تَحْدِيدُهُ بِأَقَلِّ الْقَلِيلِ ؛ وَقَدْ قِيلَ إنَّ السَّفَرَ مُشْتَقٌّ مِنْ السَّفَرِ الَّذِي هُوَ الْكَشْفُ مِنْ قَوْلِهِمْ"سَفَرَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا ، وَأَسْفَرَ الصُّبْحُ إذَا أَضَاءَ ، وَسَفَرَتْ الرِّيحُ السَّحَابَ إذَا قَشَعَتْهُ"وَالْمِسْفَرَةُ الْمِكْنَسَةُ ؛ لِأَنَّهَا تُسْفِرُ عَنْ الْأَرْضِ بِكَنْسِ التُّرَابِ ، وَأَسْفَرَ وَجْهُهُ إذَا أَضَاءَ وَأَشْرَقَ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ} يَعْنِي مُشْرِقَةً مُضِيئَةً ؛ فَسُمِّيَ الْخُرُوجُ إلَى الْمَوْضِعِ الْبَعِيدِ سَفَرًا ؛ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ عَنْ أَخْلَاقِ الْمُسَافِرِ وَأَحْوَالِهِ ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعْنَى السَّفَرِ مَا وَصَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَبَيَّنُ فِي الْوَقْتِ الْيَسِيرِ وَالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَصَنَّعُ فِي الْأَغْلَبِ لِمِثْلِ هَذِهِ الْمَسَافَةِ فَلَا يَظْهَرُ فِيهِ مَا يَكْشِفُهُ الْبَعِيدُ مِنْ أَخْلَاقِهِ ،