وقد قدمنا الرد على من قال: إن لفظة {أَلَمْ تَرَ} لا تعدى إلا بحرف الجر الذي هو إلى ، ولا تتعدى بنفسها إلى المفعول ، وبينا أن ذلك وإن كان هو الذي في القرآن في جميع المواضع فإن تعديتها إلى المفعول بنفسها صحيحة.
ومن شواهد ذلك قول امرئ القيس:
ألم ترياني كلما جئت طارقاً... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
والمراد إنكار الله على المنافقين توليهم القوم الذين غضب الله عليهم ، وهم اليهود والكفار ، وهذا الإنكار يدل على شدة منع ذلك التولي ، وقد صرح الله بالنهي عن ذلك في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ} [الممتحنة: 13] .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون المنافقين ليسوا من المؤمنين ، ولا من القوم الذين تولوهم وهم الذين غضب الله عليهم من اليهود ، جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {إِنَّ المنافقين يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] - إلى قوله - {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هؤلاء وَلاَ إِلَى هؤلاء} [النساء: 143] .
اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16)
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المنافقين اتخذوا أيمانهم جنة والأيمان جمع يمين ، وهي الحلف ، والجنة هي الترس الذي يتقي به المقاتل وقع السلاح ، والمعنى أنهم جعلوا الإيمان الكاذبة ، وهي حلفهم للمسلمين أنهم معهم وأنهم مخلصون في باطن الأمر ، ترساً لهم يتقون به الشر الذي ينزل بهم لو صرحوا بكفرهم ، وقوله تعالى {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} الظاهر أنه من صد المتعدية ، وأن المفعول محذوف أي فصدوا غيرهم ممن أطاعهم لأن صدودهم في أنفسهم دل عليه قوله {اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} والحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد ، كما أوضحناه مراراً.