ثم أخبر عن المؤمن الحقيقي بقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 15] ؛ أي: شاهدوا الله بنور الله فأمنوا برسوله، {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ} [الحجرات: 15] ، لم يشكوا فيما شاهدوا بنور الله؛ إذ لم تحجبهم أنفسهم وأموالهم عن نور الله؛ لأنهم خرجوا من حجب النفس والمال، {وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [الحجرات: 15] ببذلها في طلب الله، {َأُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] ، الذين صدقوا فيما عاهدوا الله عليه، فلما جعل الإيمان مشروطاً ببذل المال والنفس، فذكر بلفظ إنما وهي التحقيق يقتضي الطرد والعكس، فمن أفرد الإيمان عن الشرائط التي جعلها له فمردود عليه قوله.
وبقوله: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ} [الحجرات: 16] ، يشير إلى أن التوفيق في الأمور الدنيا وحقيقتها معتبر واجب وموكولة إلى الله؛ فالأسامي منه توجد والأحكام منه تطلب وأمره يتبع، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} [الحجرات: 16] سماوات القلوب من استعدادها في العبودية، {وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الحجرات: 16] أرض النفوس من تمردها عن العبودية، {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ} [الحجرات: 16] جبلت القلوب والنفوس عليه {عَلِيمٌ} [الحجرات: 16] ؛ لأنه تعالى أودعه فيها عند تخمير طينة آدم بيده.