{أَيَحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} جاء في التفسير أن المقصود بذلك الغيبة ، وعلى ذلك يدل ظاهر الآية. وأَخَسُّ الكفّار وأَقَلُّهم قَدْراً مَنْ يأَكل الميتةَ.. وعزيزٌ رؤيةُ مَنْ لا يغتاب أحداً بين يديك.
قوله جلّ ذكره: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن ذَكّرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} .
إنَّا خلقناكم أجمعكم من آدمَ وحواء ، ثم جعناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا لا لتُكَاثروا ولا لتنافسوا. فإذا كانت الأصولُ تربةً ونطفةً وعَلَقَةً.. فالتفاخر بماذا؟ أبا لحمأ المسنون؟ أم بالنطفة في قرار مكين؟ أم بما ينطوي عليه ظاهرك مما تعرفه؟! وقد قيل:
إِنَّ آثارَنا تَدُل علينا... فانْظُروا بَعْدَنا إلى الآثارِ
أم بأفعالك التي هي بالرياء مَشُوبة؟ أم بأحوالك التي هي بالإعجاب مصحوبة؟ أم بمعاملاتك التي هي ملأى بالخيانة؟
{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِند اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ؟ أتقاكم أي أَبْعَدكم عن نَفْسِه ، فالتقوى هي التحرُّر من النفس وأطماعها وحظوظها. فأكرمُ العبادِ عند اللَّهِ مَنْ كان أَبْعد عن نَفْسِه وأَقرَبَ إلى الله تعالى.
قوله جلّ ذكره: {قَالَتِ الأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنَ قُولُواْ أَسْلَمْنَا} .
الإيمانُ هو حياة القلب ، والقلب لا يحيا إلا بعد ذَبْح النَّفس ، والنفوسُ لا تموت ولكنها تغيب ، ومع حضورها لا يَتمُّ خيرٌ ، والاستسلامُ في الظاهر إسلام. وليس كلُّ مَنْ استسلَمَ ظاهراً مخلصٌ في سِرِّه.
{وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ} .
في هذا دليلٌ على أن محلَّ الإيمانِ القلبُ. كما أنه في وصف المنافقين قال تعالى: {فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [البقرة: 10] ومَرَضُ القلبِ والإيمانُ ضدان.