ثم يوجههم إلى نعمة الإيمان الذي هداهم إليه ، وحرك قلوبهم لحبه ، وكشف لهم عن جماله وفضله ، وعلق أرواحهم به ؛ وكره إليكم الكفر والفسوق والمعصية ، وكان هذا كله من رحمته وفيضه:
{ولكن الله حبَّب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ؛ وكَّره إليكم الكفر والفسوق والعصيان. أولئك هم الراشدون. فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم} ..
واختيار الله لفريق من عباده ، ليشرح صدورهم للإيمان ، ويحرك قلوبهم إليه ، ويزينه لهم فتهفو إليه أرواحهم ، وتدرك ما فيه من جمال وخير.. هذا الاختبار فضل من الله ونعمة ، دونها كل فضل وكل نعمة. حتى نعمة الوجود والحياة أصلاً ، تبدوا في حقيقتها أقل من نعمة الإيمان وأدنى! وسيأتي قوله تعالى: {بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان} فنفصل القول إن شاء الله في هذه المنة.
والذي يستوقف النظر هنا هو تذكيرهم بأن الله هو الذي أراد بهم هذا الخير ، وهو الذي خلص قلوبهم من ذلك الشر: الكفر والفسوق والعصيان. وهو الذي جعلهم بهذا راشدين فضلاً منه ونعمة. وأن ذلك كله كان عن علم منه وحكمة.. وفي تقرير هذه الحقيقة إيحاء لهم كذلك بالاستسلام لتوجيه الله وتدبيره ، والاطمئنان إلى ما وراءه من خير عليهم وبركة ، وترك الاقتراح والاستعجال والاندفاع فيما قد يظنونه خيراً لهم ؛ قبل أن يختار لهم الله. فالله يختار لهم الخير ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم ، يأخذ بيدهم إلى هذا الخير. وهذا هو التوجيه المقصود في التعقيب.