أنوفهم في المعاصي حمية ، ونفوسهم في غير ذلك ذات الله أبيّة ، يدعون معه الشركاء ، ويضيفون إليه الأكفاء ، ويعبدون من دونه ما لا يسمع ولا يبصر ، ولا يغني عنهم شيئاً . فلم يزل صلى الله عليه وسلم يقذف في أسماعهم فضائل الإيمان ، ويقرأ على قلوبهم قوارع القرآن ، ويدعوهم إلى عبادة الله باللطف لما كان وحيداً ، وبالعنف لما وجد أنصاراً وجنوداً . لا يرى للكفر أثراً إلا طمسه ومحاه ، ولا رسماً إلا أزاله وعفّاه ، ولا حجة مموّهة إلا كشفها ودحضها ، ولا دعامة مرفوعة إلا حطها ووضعها حتى ضرب الحق بجرانه ، وصدع ببنيانه ، وسطع بمصباحه ، ونصع بأوضاحه ، واستنبط الله هذه الأمة من حضيض النار ، وعلّاها إلى ذروة الصلحاء والأبرار ، واتصل حبلها بعد البتات ، والتألم شملها بعد الشتات ، واجتمعت بعد الفرقة ، وتواعدت بعد الفتنة ، فصلى الله عليه صلاة زاكية نامية ، رائحة غادية ، منجزة عدته ، رافعة درجته .
الثالث - قال الرازي: هذه السورة فيها إرشاد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق . وهي إما مع الله تعالى ، أو مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو مع غيرهما من أبناء الجنس . وهم على صنفين ؛ لأنهم إما أن يكونوا على طريقة المؤمنين ، وداخلين في رتبة الطاعة ، أو خارجاً عنها ، وهو الفاسق . والداخل في طائفتهم ، السالك لطريقتهم ، إما أن يكون حاضراً عندهم ، أو غائباً عنهم ، فهذه خمسة أقسام:
أحدها - يتعلق بجانب الله .
وثانيها - بجانب الرسول .
وثالثها - بجانب الفسّاق .
ورابعها - بالمؤمن الحاضر .
وخامسها - بالمؤمن الغائب .
فذكر الله تعالى في هذه السورة خمس مرات: {يَا أَيَّهَا الَّّذيِنَ ءَامَنُواْ} ، وأرشد في كل مرة إلى مكرمة مع قسم من الأقسام الخمسة .
فقال أولاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، وذكر الرسول كان لبيان طاعة الله ، لأنها لا تعلم إلا بقول رسول الله .