فأما جعل الغيبة كأكل لحم الْإِنْسَاْن لحم إنسان آخر مثله ، فشديد المناسبة جداً ، لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس ، وتمزيق أعراضهم . وتمزيق العرض مماثل لأكل الْإِنْسَاْن لحم من يغتابه ، لأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة . وأما جعله كلحم الأخ فلِما في الغيبة من الكراهة ، لأن العقل والشرع مجتمعان على استكراهها ، آمران بتركها ، والبعد عنها . ولما كانت كذلك جعلت بمنزلة لحم الأخ في كراهته .
ومن المعلوم أن لحم الْإِنْسَاْن مستكره عند إنسان آخر ، إلا أنه لا يكون مثل كراهة لحم أخيه . فهذا القول مبالغة في استكراه الغيبة . وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة ، فلما جبلت عليه النفوس من الميل إلى الغيبة ، والشهوة لها ، مع العلم بقبحها فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكناية تجدها من أشد الكنايات شبهاً ، لأنك إذا نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات الأربع التي أشرنا إليها ، وجدتها مناسبة لما قصدت له . انتهى .
الثانية - الفاء في قوله تعالى: {فَكَرِهْتُمُوهُ} فصيحة في جواب شرط مقدّر . والمعنى: إن صح ذلك ، أو عرض عليكم هذا ، فقد كرهتموه ، فما ذكر جواب للشرط ، وهو ماض فيقدر معه قد ليصح دخول الفاء على الجواب الماضي ، كما في قوله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} [الفرقان: 19] ، وضمير: {فَكَرِهْتُمُوهُ} للأكل ، وقد جوز كونه للاغتياب المفهوم منه . والمعنى: فاكرهوه كراهيتهم لذلك الأكل . وعبر عنه بالماضي للمبالغة ، فإذا أول بما ذكر يكون إنشائياً غير محتاج لتقدير قد - أفاده الشهاب - .
الثالثة - قال ابن الفَرَس: يستدل بالآية على أن لا يجوز للمضطر أكل ميتة الآدمي لأنه ضرب به المثل في تحريم الغيبة ، ولم يضرب بميتة سائر الحيوان . فدل على أنه في التحريم فوقها . ومن أراد استيفاء مباحث الغيبة فعليه"بالإحياء"للغزالي ، فإنه جمع فأوعى .