ثم في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ) نقض قول المعتزلة: إنه يجب على اللَّه - تعالى - أن يهديهم؛ لقولهم بالأصلح، فإنه قال: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ) ولو كانت هدايتهم واجبة عليه لا يكون له عليهم منة؛ لأنه مؤد ما عليه لهم من الحق، ومن أدى حقًّا عليه لآخر لا يكون له الامتنان على صاحب الحق، وكذلك في قوله - تعالى -: (فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً) لو كانت الهداية واجبة عليه لا يكون في فعله متفضلا ولا منعمًا، بل يكون لهم عليه الامتنان، ومنهم الإفضال والإنعام؛ لما عظموه وبجلوه بشيء كان عليه فعل ذلك حقًّا واجبًا لهم؛ فدل على فساد مذهبهم.
وفيه دلالة أن الهداية ليست هي البيان فحسب؛ لوجهين:
أحدهما: لأن هداية البيان مما قد كان في حق الكافر والمسلم جميعًا، فلا معنى لتخصيص المسلمين بهذه المنة ومثلها موجود في حق غيرهم.
والثاني: أن البيان قد عم الكافر والمؤمن، وقد أخبر اللَّه - تعالى - بأن له المنة عليهم إن كانوا صادقين في إيمانهم، فلو كانت الهداية هي البيان لا غير، لكان لا يشترط فيه شرط صدقهم؛ لأن منة البيان تعم الصادقين وغير الصادقين دل أن المراد من الهداية: الإسلام، حتى تتحقق له المنة على الخصوص في حق المسلمين، واللَّه الموفق.
ثم الهداية المذكورة - هاهنا - تحتمل وجهين:
أحدهما: خلق فعل الاهتداء منهم.
والثاني: التوفيق والعصمة؛ كأنه يقول: بل اللَّه يمن عليكم أن خلق منكم الاهتداء أو وفقكم للإيمان، وعصمكم عن ضده، وكذلك يخرج قوله - تعالى -: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) على هذين الوجهين: وفقكم له وعصمكم عن ضده، أو خلق حبه في قلوبكم وزينه، واللَّه أعلم.