هذه الآية وإن خرجت على مخرج العموم، ولكن أراد بها الخاص، وهو بعض الأعراب؛ إذ في الإجراء على العموم يؤدي إلى الكذب في خبر اللَّه - تعالى - عن ذلك؛ إذ لا كل الأعراب قالوا ذلك، ولا كل الأعراب يجب أن يقال لهم: لم تؤمنوا، ولكن يقال لهم: قولوا: أسلمنا، فهو يرجع إلى خاص من الأعراب، فكأنه يرجع إلى أهل النفاق منهم، فإنهم أخبروا أنهم آمنوا، ولما آمنوا فلما أطلع اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - رسوله أنهم لم يؤمنوا، ولكنهم استسلموا وخضعوا للمؤمنين ظاهرًا؛ خوفًا من معرة السيف، وطمعًا فيما عند المسلمين من الخير، فنهاهم أن يقولوا: آمنا، إذا لم يكن في قلوبهم ذلك، وأمرهم أن يقولوا: أسلمنا، ومعناه ما ذكرنا؛ أي: خضعنا واستسلمنا، ليرتفع عنهم السيف.
ولا يصح الاستدلال بالآية على أن الإسلام والإيمان غيران، فإنه غاير بينهما؛ حيث نهاهم أن يقولوا: آمنا وأمرهم أن يقولوا: أسلمنا، ولو كانا واحدًا لم يصح هذا؛ لأنا نقول: لم يرد بهذا الإسلام هو الإسلام الذي هو الإيمان، ولكن أراد به الاستسلام والانقياد الظاهر، وهو كما يسمى: إسلامًا يسمى: إيمانًا - أيضًا - من حيث الظاهر، فأما حقيقة الإيمان والإسلام ترجع إلى واحد؛ لأن الإيمان هو أن يصدق كل شيء في شهادته على الربوبية والوحدانية لله - تعالى - والإسلام هو أن يجعل كل شيء لله سالمًا، لا شركة لأحد فيه، فمتى اعتقد أن كل شيء في العالم لله - تعالى - وهو الخالق له، وكل مصنوع شاهد ودليل على صانعه فقد صدقه في شهادته على صانعه، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) الإيمان ليس هو محسوسًا مركبًا يدخل في القلب أو لا، ولكن معناه: نفى فعل القلب، وهو التصديق؛ كأنه قال: ولم تؤمن قلوبهم؛ على ما ذكر في آية أخرى (قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) .