فأما أهل الإيمان فما أقل من خرج إيمانه عن الطريقة التي ذكرتها إذا كان الذين شاهدوا الرسول - صلى الله عليه وسلّم - ، وسمعوا دعوته، وعاينوا حججه، آمنوا به استبصاراً بها، ولم يحتاجوا معها إلى دلالة يستشيرونها بآرائهم من شواهد عقولهم.
فكذلك الذين لم يدركوا عصره ولم يشاهدوه، إذا بلغهم خبره، وخبر المشاهدين له بلاغاً - لا يمكن أن يكون كذباً ولا غلطاً - صاروا كالمشاهدين في وقوع العلم لهم ضرورة بكل ما بلغهم.
فإذا أذعنوا لدعوته من غير حجة جديدة يبغونها كانت منزلتهم في ذلك منزلة منزلة الأولين وكان إيمانهم سالماً صحيحاً، ثم كذلك كلما بلغ ذلك الخبر أهل عصر بلاغاً، فوقع لهم العلم فآمنوا كانوا كالمشاهدين، وكان إيمانهم حجة لا تغير، وكل مؤمن اليوم فأصل إيمانه هذا البلاغ، ثم في المؤمنين من يوسع في النظر، واستكثر من وجوه الحجج لحاجته إليها في الدفع والجدل، فقويت بذلك بصيرته، واشتدت من الدين مريرته، وحسن في الإسلام بلاؤه، وظهر جده وعناؤه، فأما الأصل فلم يكن إلا ما ذكرنا والله أعلم.
فإن قيل: أرأيت الذي يؤمن اليوم ولا يخطر بقلبه من حقيقة دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - وحجته شيء مما ذكرت، ولو أريد إسماعه لذلك لم يسمعه، ولو سمعه لم يدركه، ولو فهمه لم يفهمه، أيقال أنه مؤمن؟
قيل: هذا لا يخلو من أن يكون سمع أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - ظهر على المشركين بالحجة، فإذا اعتمد هذا البلاغ ولأجله آمن، كان نظير الذين آمنوا واقفين على حجته، وإن لم يعرف هذا عين الحجة، وهذا الذي يدخل في إيمانه شيء من التقليد، ولا يضره لأنه لا يتسع لأكثر منه، وبالله التوفيق.
فإن قيل: أرأيتم من بلغه على ألسنة المؤمنين ما وصفهم، وبلغه على ألسنة الكافرين خلافه، فبماذا يرجح عنده خبر المؤمنين حتى إذا قبله وآمن به صح إيمانه، وإن كان فيه من الحقيقة ما يرجحه.
فهو إذا كان غافلاً عنه وإن لم يكن في غفلة ما يوصله إلى معرفته، فماذا يعني ذلك عنه؟
قيل: إن البلاغ الواقع من قبل المؤمنين رجحانا وهو أن الكفار لا يتهيأ لهم أن يجحدوا أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، قد جاء بآيات وأعلام كثيرة، وأنها قد نقلت نقل اليهود أعلام موسى ونقل النصارى أعلام عيسى صلوات الله عليهما فهم مضطرون إلى الاعتراف بإثباته منها، بما يذكره المسلمون.