خولاً وخدمًا مدة طويلة حتى اندمجوا في غمار الأمة الفرنسية، وتُنوسيت أصولهم،
ولا يجوز أن ننسى أن الحرب قامت في أمريكا من سنة 1863 إلى 1866 من
أجل تحرير العبيد، وأن الأميركيين سكان جنوبي الولايات المتحدة حاربوا سكان
شماليها مدة سنوات عديدة من أجل إصرارهم على استعباد السود، وكذلك إلى هذه
الساعة، وقد رأيت ذلك بعيني في سياحتي إلى أميركا في الشتاء الماضي، لا يقدر
السود أن يجالسوا البيض ولا في مكان.
وفي الولايات الجنوبية للسود قُطُر مخصوصة يركبون فيها بالسكة الحديدية
ومقاعد انتظار في المحطات خاصة بهم بحيث لا يختلطون مع البيض، بل أولادهم
لا تقدر أن تتعلم مع أولاد البيض في مدارس واحدة وكنائسهم أيضًا لا يدخل إليها
البيض.
وفي أفريقيا الرسالات التبشيرية منذ قرنين أو ثلاثة تعمل لتنصير السود وقد
تمكنت إلى هذا اليوم من تنصير ثمانية ملايين في غربي أفريقيا وجنوبيها وأواسطها.
وقد نصت كتب أعمال الرسالات الدينية المذكورة على أنه في مدة الثلاثة
القرون التي استمر بها التبشير الديني لم يعهد أن مبشرًا اقترن بامرأة سوداء إلا
اثنين أو ثلاثة؛ ذلك لأن الأبيض يأنف من التنزل إلى خلط دمه بدم الأسود، أقول
الأبيض والأسود كلاهما خلقه الله تعالى، وكلاهما بشر ويمشي بحسب قول نبيه:
(إنما بعثت إلى الأحمر والأسود) ويتذكر كتابه الذي فيه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13)
فإذا كان المبشر الأوربي الذي يعظ طول النهار في أباطيل
الدنيا، وفي العدل والمساواة هو نفسه لا يتنزل إلى خلط نسبه بنسب أولئك الذين
يعظهم ويرَّغِبهم في قبول دينه، فكيف تكون حالة التاجر الأوربي أو الحاكم أو
الجندي الذي ليست مهنته التبشير؟
لا جرم أن مبدأ المساواة هو أبعد المبادئ عن عقلية الأوربيين، وإن كانوا
قرَّروها في الأعصر الأخيرة، فإنما قرروها فيما بين شعوبهم، ولم يكونوا ليعترفوا
بها للشعوب الأخرى، وإنني لأتعجب ممن يقول: إن آثار الرقي التى شوهدت في