الشرق في الخمسين سنة الأخيرة إنما هي ثمرة إدخال القانون الروماني في إدارة الشرق.
فأنا أقول لمثل هذا: أين كان القانون الروماني في أوربا، وفي فرنسا بخاصة
عندما كان لا يجرؤ أحد نواب الشعب في هذه المملكة أن يقول: إن الأمة الفرنسية
عائلة واحدة حتى تقوم قيامة الأشراف ويعتدوا تلك الكلمة كفرًا؟ هل كانت فرنسة
غير مملكة رومانية لاتينية روح رومة وثقافتها وقوانينها منبثة في جميع شعاب إدارتها؟
إن الكاتب الفيلسوف الإنكليزي المستر ولسن عندما جاء منذ أشهر إلى باريس
واحتفل أدباء الفرنسيس بتكريمه في السوربون وخطبوا الخطب الشائقة وجاوبهم
بخطبة عن الديموقراطية الحقيقة نشرتها الجرائد كان من جملة قوله فيها: (إن الديموقراطية الحقيقة لم تثبت إلا للإسلام والنصرانية) .
وأنا أقول: إن شهادته بها للإسلام هي أغلى جدًّا من شهادته بها للنصرانية
التى هي مذهبه ومذهب أمته ومذهب الأمة التى كانت مختلفة في تكريمه.
فالإسلام يشهد له كثير من فلاسفة الأوربيين بالديموقراطية الصحيحة مع
قصور معلوماتهم عنه وينكرها عليه أناس من أبنائه، لا بل وينسبون إلى غيره
محاسنه ويجردونه من المزايا التى فُطِرَ عليها.
وهكذا أولعنا بتشويه محاسن أنفسنا وبجحد فضائل قومنا وبنحل غيرنا ما هو
في الحقيقة لنا، وصرنا - لمجرد أن نُنعت بالرقي - نقلب حسنات أجدادنا سيئات،
ونقلب سيئات الأوربيين حسنات، أو نتعامى عنها أو نتلمس لها عذرًا، هكذا.
يقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
برلين 4 ديسمبر 1927
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... شكيب أرسلان.
انتهى انتهى {مجلة المنار، ذو الحجة 1346 هـ، للأمير/ شكيب أرسلان} ...