قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ(33 ) ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِبُيُوتِهِمْ) : هُوَ بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ؛ أَيْ لِبُيُوتِ مَنْ كَفَرَ.
وَالسَّقْفُ وَاحِدٌ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ؛ وَسُقُفًا - بِالضَّمِّ - جَمْعٌ، مِثْلُ رَهْنٍ وَرُهُنٍ.
قَالَ تَعَالَى: (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ(38 ) ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَاءَنَا) : عَلَى الْإِفْرَادِ رَدًّا عَلَى لَفْظِ مَنْ، وَعَلَى التَّثْنِيَةِ رَدًّا عَلَى الْقَرْيَتَيْنِ: الْكَافِرُ، وَشَيْطَانُهُ. وَ (الْمَشْرِقَيْنِ) : قِيلَ: أَرَادَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ، فَغَلَّبَ مِثْلَ الْقَمَرَيْنِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ(39 ) ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ) : فِي الْفَاعِلِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: «أَنَّكُمْ» وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ؛ أَيْ لَا يَنْفَعُكُمْ تَأَسِّيكُمْ فِي الْعَذَابِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ التَّمَنِّي الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ) : أَيْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ تَمَنِّي التَّبَاعُدِ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «أَنَّكُمْ» بِمَعْنَى لِأَنَّكُمْ.
فَأَمَّا (إِذْ) فَمُشْكِلُهُ الْأَمْرُ؛ لِأَنَّهَا ظَرْفُ زَمَانٍ مَاضٍ، وَلَنْ يَنْفَعَكُمْ وَفَاعِلُهُ وَالْيَوْمُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ بِمَاضٍ.
وَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ فِي مُسَاءَلَتِهِ أَبَا عَلِيٍّ: رَاجَعْتُهُ فِيهَا مِرَارًا فَآخِرُ مَا حَصَلَ مِنْهُ أَنَّ الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى مُتَّصِلَتَانِ، وَهُمَا سَوَاءٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِلْمِهِ، فَتَكُونُ «إِذْ» بَدَلًا مِنَ الْيَوْمِ حَتَّى كَأَنَّهَا مُسْتَقْبِلَةٌ، أَوْ كَأَنَّ الْيَوْمَ مَاضٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، وَالْمَعْنَى: أَنَّ ثُبُوتَ ظُلْمِهِمْ عِنْدَهُمْ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ؛ إِذْ صَحَّ ظُلْمُكُمْ عِنْدَكُمْ، فَهُوَ بَدَلٌ أَيْضًا.