وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح .. (فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) أي: فأنا أول من يعظم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته ..
وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفى الولد، والإطناب فيه .. وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد، وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالا مثلها .. .
ويرى بعض العلماء أن إِنْ في الآية نافية بمعنى ما، فيكون المعنى: قل - أيها الرسول - لهؤلاء الكافرين: ما كان للرحمن من ولد، وما صح وما أمكن ذلك، فهو مستحيل عقلا وشرعا ... وما دام الأمر كذلك، فأنا أول العابدين لله - تعالى - المنزهين له عن الولد والشريك وغيرهما.
قال الإمام القرطبي: قوله - تعالى -: (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ ...) اختلف في معناه. فقال ابن عباس والحسن والسدى: المعنى: ما كان للرحمن ولد. إِنْ بمعنى ما، ويكون الكلام على هذا تاما، ثم تبتدى بقوله - تعالى - (فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) .
وقيل المعنى: قل يا محمد، إن ثبت له ولد، فأنا أول من يعبد ولده، ولكن يستحيل أن يكون له ولد، وهو كما تقول لمن تناظره: إن ثبت ما قلت بالدليل، فأنا أول من يعتقده، وهذا مبالغة في الاستبعاد، أي: لا سبيل إلى اعتقاده ..
وإِنْ على هذا للشرط، وهو الأجود.
وقيل إن معنى الْعابِدِينَ الآنفين. وقال بعض العلماء لو كان كذلك لكان العبدين ..
بغير ألف، يقال: عبد - بكسر الباء - يعبد عبدا - بفتحها - إذا أنف وغضب فهو عبد، والاسم العبدة، مثل الأنفة .. .
ويبدو لنا أن الرأيين يؤديان إلى نفى أن يكون لله - تعالى - ولد وإن كان الرأي الأول - وهو أنّ حرف إِنْ للشرط - هو المتبادر من معنى الآية وعليه جمهور المفسرين.
ثم نزه - عز وجل - ذاته عن أقوال المفترين فقال: (سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) .
وسبحان: اسم مصدر بمعنى التنزيه والتقديس، منصوب على أنه مفعول مطلق بفعل محذوف، أي: سبحت الله - تعالى - تسبيحا، ونزهته تنزيها، عن أن يكون له ولد أو شريك، فهو - عز وجل - رب السماوات، ورب الأرض رب العرش العظيم، وهو المتعالي عن كل ما وصفه الكافرون والفاسقون من صفات لا تليق بجلاله.
وجاء هذا التنزيه والتقديس بلفظ (سُبْحانَ) لا بلفظ الفعل سبح أو يسبح، لأن النقص الذي أرادوا إلصاقه به شنيع، فكان من المناسب أن يؤتى بأقوى لفظ في التنزيه والتقديس.