ويحتمل أن يكون قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ...) الآية
، إلى كل من منه الأمر بالعبادة لهم والدعاء إلى ذلك، وهم الشياطين؛ لأن من عبد دون اللَّه أحدًا إنما يعبده بأمر الشياطين ودعائهم إليه، فأما من كان يتبرأ من الأمر لهم بذلك وعبادتهم له فلا يحتمل، وذلك نحو قوله - تعالى -: (يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) ، وقال إبراهيم لأبيه: (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ) ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكن من عبد شيئًا دون اللَّه إنما يعبده بأمر الشيطان، فإذا عبده بأمره فكأنه عبده؛ هذا وما ذكرنا كله يبطل مجادلة الكفار فيما خاصموا، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ضرب المثل لعيسى - عليه السلام - هو أن اللَّه - تعالى - لما ذكر عيسى - عليه السلام - في القرآن قال مشركو العرب من قريش لمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: ما أردت بذكر عيسى؟ وقالوا: إنما يريد مُحَمَّد أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى وعبدته، فقالوا: (أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ) فلا يصنع مُحَمَّد ذلك بآلهتنا، فواللَّه لهم خير من عيسى، أو ما قالوا؛ فقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا) أي: إلا ليجادلوك بالباطل، وهو قول قتادة.
ويحتمل أن يكون ما ذكر من ضرب المثل بابن مريم - عليهما السلام - من قومه - أعني: عيسى - لا من قوم مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وذلك أن قومه قد اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: إنه إله وإنه رب، ومنهم من قال: إنه ابن الإله، ومنهم من قال: إنه وأمه إلهان، ونحو ذلك من الاختلاف الذي كان بينهم فيه، فيكون قوله: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا) قال قومه على ما ذكروا فيه، ثم قال: (إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) أي: يعرضون عن عيسى ويضجون على ما ذكرنا، واللَّه أعلم.