قُلْنَا لِأَنَّ فِعْلَ الْمُفَاجَأَةِ مَعَهَا مُقَدَّرٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا فاجأوا وَقْتَ ضَحِكِهِمْ.
(وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(48)
«فَإِنْ قِيلَ» : ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَفْضَلَ مِنَ التَّالِي وَذَلِكَ مُحَالٌ؟
قُلْنَا إذا أريد المبالغة في كون كل واحد مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ بَالِغًا إِلَى أَقْصَى الدَّرَجَاتِ فِي الْفَضِيلَةِ، فَقَدْ يُذْكَرُ هَذَا الْكَلَامُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ فِي أُنَاسٍ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا أَنْ يَقُولَ هَذَا إِنَّ هَذَا أَفْضَلُ مِنَ الثَّانِي، وَأَنْ يَقُولَ الثَّانِي لَا بَلِ الثَّانِي أَفْضَلُ، وَأَنْ يَقُولَ الثَّالِثُ لَا بَلِ الثَّالِثُ أَفْضَلُ، وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ مَقُولًا فِيهِ إِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ.
(وَقالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ(49)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ سَمَّوْهُ بِالسَّاحِرِ مَعَ قَوْلِهِمْ (إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ) ؟
قُلْنَا فِيهِ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِلْعَالِمِ الْمَاهِرِ سَاحِرٌ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَعْظِمُونَ السِّحْرَ، وَكَمَا يُقَالُ فِي زَمَانِنَا فِي الْعَامِلِ الْعَجِيبِ الكامل إنه أتى بالسحر.
الثاني: ياأَيُّهَا السَّاحِرُ فِي زَعْمِ النَّاسِ وَمُتَعَارَفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كقوله (يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) [الْحِجْرِ: 6] أَيْ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ فِي اعْتِقَادِهِ وَزَعْمِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُمْ (إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ) وَقَدْ كَانُوا عَازِمِينَ عَلَى خِلَافِهِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ (فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ) فَتَسْمِيَتُهُمْ إِيَّاهُ بِالسِّحْرِ لَا يُنَافِي قَوْلَهُمْ (إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ) ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَمَّا كَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ نَكَثُوا ذَلِكَ الْعَهْدَ.
(أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ(52)