البيان ما يظهر به المعنى للنفس عند الإدراك له بالبصر أو السمع، وذلك
على خمسة أوجه: لفظ وخط وعقد وإشارة وهيئة.
والهيئة الظاهرة للحاسة: كتكليح الوجه والإعراض به عن الأمر، وكل ذلك
إنما هو عند الإدراك له بالبصر أو السمع.
(جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) بأن أنزل قراءته وكتابته على
لغة العرب وخطها، ومع ذلك فإنه لا يتهيأ لهم إنشاء مثله في علو الصفة في
البلاغة؛ لعزوب العلم بمواقع التأليف، وإذا نبهوا عليه بالتأليف حكوه، وهذا
يدل على جلالة موقع التنبيه في التمكن به، والتعذر مع فقده.
ووصفه بأنه (عَلِيٌّ حَكِيمٌ) لأنه مظهر ما بالعباد إليه الحاجة، مما
لا شيء أدل منه يحسن طريقه، وهذه صفة القرآن، علمه من علمه، وجهله من
جهله.
(وَالْكِتَابِ) يقسم به، وقيل: المعنى: ورب الكتاب.
وقيل: (الْمُبِينِ) لأنه أبان طرق الهدى من الضلالة، وكل ما تحتاج
إليه الأمة في الديانة.
قرأ نافع، وحمزة، والكسائي (إنْ كنُتم) وقرأ الباقون بالفتح.
و (كم) معنى الكثير، لأنها في الأصل عدد يحتمل الكثير والقليل، فخص
في الخير بالكثير.
أرسل الأنبياء مع ما في العلوم من استهزاء الكافر بهم لا لعلة وسبب، فإن
أفعال الله تعالى كلها حكمة عندنا منه لا لعلة.
وقيل: لصلاح من يؤمن بهم، وانتقاص معاصي لولا إرسالهم لوقعت
من هؤلاء الكفار، وأيده على مقدار ما وقع مع الظاهر في الحجة عليهم.
معنى الاستهزاء: في إظهار خلاف الإبطان للاستصغار،
فالأمم التي كفرت بالأنبياء احتقروا ما أتوا به، وظنوا أنه من المخاريق.
الذي لا يعمل عليه بجهلهم وإفراط غباوتهم، فلذلك حملوا أنفسهم على
الاستهزاء العائد بالوبال عليهم.
وقيل: (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا) وقد أهلك الجميع؛ لأنه بمعنى
أشد من هؤلاء المشركين بطشًا؛ ولذلك قيل: (وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ)
أي: وهو مثل هؤلاء الباقين، أي أنكم قد سلكتم في تكذيب الرسل مسلك من
كان قبلكم، فاحذروا أن ينزل بكم من الخزي والنكال ما نزل بهم. قال
الحسن: أشد قوة من قومك، لعلهم يهتدون إلى الحق والدين بالاعتبار الذي
جعل لكم.