وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى تَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا مَا غَضِبُوا عَلَى مَنِ اجْتَرَمَ إِلَيْهِمْ جُرْمًا، هُمْ يَغْفِرُونَ لِمَنْ أَجْرَمَ إِلَيْهِمْ ذَنْبَهُ، وَيَصْفَحُونَ عَنْهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ.
وَقَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ أَجَابُوا لِرَبِّهِمْ حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى تَوْحِيدِهِ، وَالْإِقْرَارِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْ عِبَادَةِ كُلِّ مَا يُعْبَدُ دُونَهُ {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} الْمَفْرُوضَةَ بِحُدُودِهَا فِي أَوْقَاتِهَا {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}
يَقُولُ: وَإِذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ تَشَاوَرُوا بَيْنَهُمْ
{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}
يَقُولُ: وَمِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيُؤَدُّونَ مَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحُقُوقِ لِأَهْلِهَا مِنْ زَكَاةٍ وَنَفَقَةٍ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ.
وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ: عَنَى بِقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ} الْآيَةَ. الْأَنْصَارَ.
{وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} «وَلَيْسَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} «لَيْسَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا» .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ إِذَا بَغَى عَلَيْهِمْ بَاغٍ، وَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ هُمْ يَنْتَصِرُونَ
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْبَاغِي الَّذِي حَمِدَ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْمُنْتَصِرَ مِنْهُ بَعْدَ بَغْيِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْمُشْرِكُ إِذَا بَغَى عَلَى الْمُسْلِمِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ كُلُّ بَاغٍ بَغَى فَحُمِدَ الْمُنْتَصِرُ مِنْهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَوْلَى فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْصُصْ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى، بَلْ حَمِدَ كُلَّ مُنْتَصِرٍ بِحَقٍّ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِ
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا فِي الِانْتِصَارِ مِنَ الْمَدْحِ؟
قِيلَ: إِنَّ فِي إِقَامَةِ الظَّالِمِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَعُقُوبَتِهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ تَقْوِيمًا لَهُ، وَفِي ذَلِكَ أَعْظَمُ الْمَدْحِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 20/}