وقرأ نافع وابن عامر: {بما كسبت} بغير فاء، وقرأ الباقون بالفاء. و {ما} في قوله: {وَمَا أَصَابَكُمْ} هي الشرطية، ولهذا دخلت الفاء في جوابها، على قراءة الجمهور، ولا يجوز حذفها عند سيبويه والجمهور، وجوز الأخفش الحذف كما في قوله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ، وقول الشاعر:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا ... وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ الله مِثْلَانِ
وقيل: هي الموصولة، فيكون الحذف والإثبات جائزين، والأول أولى، وقال الزجاج: إثبات الفاء أجود؛ لأن الفاء مجازاة جواب الشرط، ومن حذف الفاء، فعلى أن {ما} في معنى الذي، وقال بعضهم: {ما} موصول مبتدأ، دخلت الفاء في خبره، لتضمنه معنى الشرط.
والمعنى: والذي أصابكم، فواقع بما كسبت أيديكم، قال الحسن: المصيبة هنا: الحدود على المعاصي، والأولى العمل على العموم، كما يفيده وقوع النكرة في سياق النفي، ودخول من الاستغراقية عليها.
{وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} من الذنوب التي يفعلها العباد، فلا يعاقب عليها، ولولا عفوه وتجاوزه ما ترك على ظهرها من دابة، وهذا من تتمة قوله: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} .
والمعنى: أي وما يحل بكم أيها الناس، من المصائب في الدنيا، فإنما تصابون به عقوبة لكم، على ما اجترحتم من الآثام، واقترفتم من الشرور والمعاصي، ويعفو لكم عن كثير من جرائمكم، فلا يعاقبكم بها، وقد ثبتت الأدلة الصحيحة، أن جميع ما يصاب به الإنسان في الدنيا. يؤجر عليه، أو يكفر عنه من ذنوبه، وقيل: هذه الآية مختصة بالكافرين، على معنى أن ما يصابون به، بسبب ذنوبهم، من غير أن يكون ذلك مكفرًا عنهم لذنب، ولا محصلًا لثواب، ويترك عقوبتهم عن كثير من ذنوبهم، فلا يعاجلهم في الدنيا، بل يمهلهم إلى الدار الآخرة، والأولى حمل الآية على العموم، والعفو يصدق على تأخير العقوبة، كما يصدق على هو الذنب ورفع الخطاب به.