والخلاصة: أنه تعالى خبير بما يصلح عباده، من توسيع الرزق، وتضييقه، فيقدر لكل واحد منهم ما يصلحه. فيبسط ويقبض ويعطي ويمنع، ولو أغناهم جميعًا لبغوا. ولو أفقرهم جميعًا لهلكوا، فنظام العالم لا يستقر إلا على هذا الوضع القائم، الجامع بين الأمرين، فخوف الأغنياء يَزَعُهُم عن الظلم، وخوف الفقراء من الأغنياء، يدعوهم إلى التعاون معهم ليفوزوا بمبتغاهم، ويزعهم عن البغى، وقال قتادة: كان يقال: خير الرزق ما لا يطغيك ولا يلهيك.
28 -وبعد أن بين أنه لا يعطي عباده ما زاد على حاجتهم؛ لأنه يعلم أن الزيادة تضرهم في دينهم، ذكر أنهم لو احتاجوا إلى الغيث، فهو لا يمنعه عنهم، فقال: {وَهُوَ} سبحانه وتعالى الإله: {الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ} والمطر من السماء على الأرض، فيغيثهم به من الجدب، ولذلك خص بالنافع منه. فإن المطر قد يضر. وقد لا يكون في وقته. قال الراغب: الغيث يقال في المطر. والغوث في النصرة {مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} أي: يئسوا منه. وتقييد تنزيله بذلك مع تحققه بدونه أيضًا، لتذكير كمال النعمة. فإن حصول النعمة بعد اليأس والبلية، أوجب لكمال الفرح. فيكون أدعى إلى الشكر. وقرأ الجمهور: {قَنَطُوا} بفتح النون، وقرأ الأعمش وابن وثاب بكسرها. {وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ} ؛ أي: يبسط بركات الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب في كل شيء من السهل والجبل والنبات والحيوان، وفي"فتح الرحمن": {وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ} : وهي الشمس، وذاك تعديد نعمة غير الأولى. وذلك أن المطر إذا جاء بعد القنوط حسن موقعه، فإذا دام سئم، وتجيء الشمس بعده عظيمة الوقع {وَهُوَ} سبحانه وتعالى {الْوَلِيُّ} ؛ أي: السيد المالك، الذي يتولى عباده بالإحسان ونشر الرحمة {الْحَمِيدُ} ؛ أي: المستحق للحمد على ذلك وغيره، لا غيرُه.