ثم إن حالة الفقر هذه أو العجز لا تدوم مداولة بين الناس، كما قال سبحانه:
{وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ..} [آل عمران: 140] .
وسبق أنْ بيَّنا أن الفقر في المجتمع له حكمة، لأن حركة المجتمع ومصالح الناس لا يمكن أنْ تقوم على التفضُّل، إنما تقوم على الحاجة، فحين تُلجئك الحاجة تعمل ولا تستنكف من العمل الشاق أو الحقير، وإلا فمَنْ سيقوم بهذه الأعمال.
ورأينا العامل حين يرضى بقدر الله فيه ويخلص في عمله يقول الله له: رضيتَ بقدري فسأعطيك على قدري. فتراه بعد فترة أصبح صاحب عمل بعد أنْ كان أجيراً، لأنه أخلص لصاحب العمل ولم يحقد عليه، ولم يكره النعمة عنده.
إذن: الحق سبحانه لا يضيق الرزق ولا يعطي بقدر إلا في مظنة الضرر، فمَنْ علم الله منه أنَّ بسطة الرزق تفسده يُضيِّق عليه منافذ الرزق ليصلحه بالفقر. فالأصل أنه تعالى جواد كريم يبسط رزقه لعباده، لذلك يقول في الآية بعدها:
{وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ ...} .
{وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ}
{الْغَيْثَ ..} [الشورى: 28] المطر ينزل بعد انقطاع وجفاف، فيغيث الناس وينقذهم من الجفاف والجوع والقحط الذي هم فيه {مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ ..} [الشورى: 28] يئسوا من نزوله.
{وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ..} [الشورى: 28] يبسطها لعباده جميعاً {وَهُوَ الْوَلِيُّ ..} [الشورى: 28] المتولي أمور عباده المحسن إليهم {الْحَمِيدُ} [الشورى: 28] أي: المحمود على نعمه التي أسداها إلى الناس وتفضَّل بها عليهم، لأنه أنعم عليك قبل أن يوجدك فخلق لك السماء والأرض والكون كله سخَّره في خدمتك، فطرأتَ على كَوْنٍ مُعَدٍّ وجاهز لاستقبالك، فيه كُلُّ مقومات حياتك.
{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ}
كلمة {آيَاتِهِ ..} [الشورى: 29] مفردها آية، وهي الشيء العجيب الذي يدعوك إلى التأمل، كما نقول: فلان آية في الأدب أو في العلم. وقلنا: إن الآيات في القرآن الكريم وردتْ بمعانٍ ثلاثة: آيات كونية تدل على قدرته تعالى وبديع صُنْعه كالشمس والقمر والليل والنهار، وآيات معجزات تدل على صِدْق الرسل في البلاغ عن الله، ثم الآيات الحاملة للأحكام وهي آيات القرآن الكريم.