قال بعض الكبار: النعمة توجب الإعراض كما قال الله تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ ...} إلخ، ومس الضر يوجب الإقبال على الله، كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ ...} إلخ، فالله تعالى رحيم على العبد بدفع النعمة والصحة عنه، لأنها مظنة الإعراض والبلاء للولاء كاللهب للذهب، فالبلاء كالنار، فكما أن النار لا تبقى من الحطب شيئًا إلا وأحرقته، فكذا البلاء لا يبقى من ضر الوجود شيئًا، فالطريق إلى الله على جادة المحنة أقرب من جادة المنحة إذ الأنبياء والأولياء جاؤوا وذهبوا من طريق البلاء، وقد ثبت أن النار لا ترتفع من الدنيا أبدًا، فكيف يؤمل العاقل الراحة في الدنيا، فهي دار محنة، وقد ورد:"الدنيا سجن المؤمن"فالمؤمن لا يستريح في الدنيا، ولا يخلو من قلة أو علة أو ذلة، وله راحة عظمى في الآخرة، والكافر خاسر في الدنيا والآخرة، فعلى العبد أن يمشي على الصراط السوي، ويخاف من الزلق، ومن مكر الله تعالى.
وفي"فتح الرحمن": قال هنا: {ثُمَّ كَفَرْتُمْ} عاطفًا بثم، وفي الأحقاف قال: {وكَفَرْتُمْ} عاطفًا بالواو، فما الفرق بين الموضعين قلتُ: عطف هنا بـ {ثُمّ} لأن المعنى: ثم كان عاقبة أمركم بعد الإمهال، للنظر والتدبر الكفر، فناسب ذكر {ثُمَّ} الدالة على الترتيب، وما في الأحقاف لم ينظر فيه إلى ترتيب كفرهم على ما ذكر، بل عطف على {كَفَرْتُمْ} و {وَشَهِدَ شَاهِدٌ} بالواو، فناسب ذكرها لدلالتها على مطلق الجمع.