(سنريهم آياتنا) أي دلالات صدق القرآن وعلامات كونه من عند الله (في الآفاق) جمع أفق بضم الهمزة والفاء، كذا قال أهل اللغة، كأعناق وعنق، وهو الناحية، ونقل الراغب أنه يقال: أفق بفتحهما كجبل وأجبال، والمعنى سنريهم آياتنا في النواحي على ما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من الحوادث الآتية وآثار النوازل الماضية، وما يسر الله له ولخلفائه من الفتوح والظهور على ممالك الشرق والغرب على وجه خارق للعادة، وقال القرطبي أي علامات وحدانيتنا وقدرتنا في الآفاق، يعني خراب منازل الأمم الماضية وربوع القرون الخالية.
(وفي أنفسهم) قال ابن زيد: في الآفاق آيات السماء وفي أنفسهم حوادث الأرض وقال مجاهد في الآفاق فتح القرى التي يسر الله فتحها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللخلفاء من بعده وأنصار دينه في آفاق الدنيا، وبلاد المشرق والمغرب عموماً، وفي ناحية المغرب خصوصاً من الفتوح التي لم
يتيسر مثلها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم، أو من الظهور على الجبابرة والأكاسرة وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعفائهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أموراً خارجة عن المعهود، خارقة للعادات، وفي أنفسهم فتح مكة ورجح هذا ابن جرير، واختاره المنهال بن عمرو والسدي.
وقال قتادة والضحاك في الآفاق يعني أقطار السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والأمطار والرعد والبرق والصواعق والنبات والأشجار والجبال والبحار وغير ذلك وفي أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، حتى في سبيل الغائط والبول فإن الرجل يأكل ويشرب من مكان واحد، ويتميز ذلك خارجاً من مكانين، وحتى في عينيه اللتين ينظر بهما من الأرض إلى السماء مسيرة خمسمائة عام، وفي أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة وغير ذلك من بديع حكمة الله تعالى فيه.