فالعطف على هذا من عطف غرض على غرض ، وهو الذي يعبر عنه بعطف القصة على القصة ، وهي تمهيد وتوطئة لقوله عقبها {ادْفَع بالتي هِيَ أحْسَنُ} الآية.
وقد علمتَ غير مرة أن نفي الاستواء ونحوه بين شيئين يراد به غالباً تفضيل أحدهما على مُقابله بحسب دلالة السياق كقوله تعالى: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون} [السجدة: 18] .
وقوللِ الأعشى:
ما يُجْعَلُ الجُدُّ الضَّنُونُ الذي...
جُنِّبَ صَوْبَ اللَّجِببِ الماطر
مِثلَ الفُراتيِّ إذَا مَا طَمَا...
يَقْذِفُ بالبُوصِيِّ والماهرِ
فكان مقتضى الظاهر أن يقال: ولا تستوي الحسنة والسيئة ، دون إعادة {لا} النافية بعد الواو الثانية كما قال تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} [غافر: 58] ، فإعادة {لا} النافية تأكيد لأختها السابقة.
وأحسن من اعتبار التأكيد أن يكون في الكلام إيجاز حذف مؤذن باحتباك في الكلام ، تقديره: وما تسْتوي الحسنة والسيئةُ ولا السيئة والحسنة.
فالمراد بالأول نفي أن تلتحق فضائل الحسنة مساوئ السيئة ، والمراد بالثاني نفي أن تلتحق السيئة بشرف الحسنة.
وذلك هو الاستواء في الخصائص ، وفي ذلك تأكيد وتقوية لنفي المساواة ليدل على أنه نفي تام بين الجنسين: جنسسِ الحسنة وجنس السيئة لا مبالغة فيه ولا مجازَ ، وقد تقدم الكلام على نظيره في سورة فاطر.
وفي التعبير بالحسنة والسيئة دون المُحسن والمسيء إشارة إلى أن كل فريق من هذين قد بلغ الغاية في جنس وصفه من إحسان وإساءة على طريقة الوصف بالمصدر ، وليتأتى الانتقال إلى موعظة تهذيب الأخلاق في قوله: {ادْفَع بالتي هي أحسن} ، فيشبه أن يكون إيثارُ نفي المساواة بين الحسنة والسيئة توطئةً للانتقال إلى قوله: {ادْفَعَ بالتي هي أحسن} .
وقوله: {ادْفَعَ بالتي هي أحسن} يجري موقعُه على الوجهين المتقدمين في عطف جملة {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} .