ومن حديث محمد بن إسحاق وهو إمام مقدّم ، عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي ، فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرياناً يجر ثوبه والله ما رأيته عرياناً قبله ولا بعده فاعتنقه وقبّله.
قلت: قد روي عن مالك جواز المصافحة وعليها جماعة من العلماء.
وقد مضى ذلك في"يوسف"وذكرنا هناك حديث البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا أُلقيت ذنوبهما بينهما".
قوله تعالى: {فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} أي قريب صديق.
قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان بن حرب ، كان مؤذياً للنبي صلى الله عليه وسلم ، فصار له وليًّا بعد أن كان عدوّاً بالمصاهرة التي وقعت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أسلم فصار وليًّا في الإسلام حميماً بالقرابة.
وقيل: هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام ، كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمره الله تعالى بالصبر عليه والصفح عنه ، ذكره الماوردي.
والأول ذكره الثعلبي والقشيري وهو أظهر ؛ لقوله تعالى: {فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} .
وقيل: كان هذا قبل الأمر بالقتال.
قال ابن عباس: أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب ، والحلم عند الجهل ، والعفو عند الإساءة ، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان ، وخضع لهم عدوّهم.
وروي أن رجلاً شتم قَنْبَراً مولى عليّ بن أبي طالب فناداه عليّ يا قَنَبْر! دع شاتمك ، والْه عنه ترضي الرحمن وتسخط الشيطان ، وتعاقب شاتمك ، فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه.
وأنشدوا:
ولَلْكَفُّ عن شَتْم اللّئيم تَكَرُّماً ...
أَضَرُّ له مِنْ شَتْمِهِ حين يُشْتَمُ
وقال آخر:
وما شَيْءٌ أحَبُّ إلى سفِيهٍ ...