ذلِكُمُ أي: الذي خلق الليل والنهار اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فلا شيء إلا وهو خلقه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فلا رب غيره، ولا إله سواه، فهو الجامع لأوصاف الربوبية والإلهية والوحدانية فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي: تصرفون. قال ابن كثير: أي فكيف تعبدون غيره من الأصنام التي لا تخلق شيئا بل هي مخلوقة منحوتة. وقال النسفي:
أي: (فكيف ومن أي وجه تصرفون عن عبادته إلى عبادة الأوثان)
كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ قال النسفي: أي: كل من جحد بآيات الله، ولم يتأمّلها، ولم يطلب الحق، أفك كما أفكوا وقال ابن كثير: (أي كما ضلّ هؤلاء بعبادة غير الله، كذلك أفك الذين من قبلهم فعبدوا غيره بلا دليل ولا برهان، بل بمجرد الجهل والهوى، وجحدوا حجج الله وآياته) ومعنى يؤفك: يصرف.
كلمة في السياق:
وهكذا أقامت هذه الآيات الحجة على ضرورة عبادة الله وشكره، بأن ذكّرت بنعم الله في خلقه الليل والنهار والأشياء كلها، وبأن ذكّرت بوحدانيته وربوبيته وألوهيته، كما أنكرت على من يصرف عن العبادة، وبيّنت أنّ سبب الصرف عن العبادة هو جحود آيات الله. فالجحود هو الصارف عن العبادة، وعن الشكر، وصلة ذلك بقوله تعالى وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ واضحة، وصلة ذلك بالجدال في آيات الله واضحة.
ب -
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً قال النسفي: أي مستقرا وقال ابن كثير: (أي جعلها لكم مستقرا بساطا مهادا تعيشون عليها وتتصرّفون فيها، وتمشون في مناكبها، وأرساها بالجبال لئلا تميد بكم) . أقول: وقد أخطأ من ظنّ أن القرار لا يجتمع مع الدوران، فأتت تشعر بالاستقرار وأنت راكب في السيارة والقطار والطائرة، ولا يعني ذلك نفي الحركة، فالله عزّ وجل يمنّ علينا باستقرارنا على الأرض بحيث لا تميد بنا ولا تضطرب، وهذا يتحقق في حالة سكون الأرض، أو حركتها المنتظمة وَالسَّماءَ بِناءً محكما غير مضطرب، أي: فخلقكم في أحسن الأشكال، ومنحكم أكمل الصور.