وكان أولُ هذه الفتنِ ما حدثَ بعدَ عمرَ - رضي الله عنه - ونشأ من تلكَ قتلُ عثمانَ - رضي الله عنه - وما ترتبَ عليهِ من إراقةِ الدماءِ وتفرق القلوبِ وظهورِ فتن الدينِ كبدع الخوارج المارقينَ من الدينِ وإظهارهم ما أظهروا ، ثم ظهورُ بدع أهلِ القدرِ والرفضِ ونحوِهِم ، وهذه هي الفتنُ التي تموجُ كموج البحرِ المذكورةُ في حديثِ حذيفةَ المشهورِ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ سألَهُ عنها عمرُ وكان حذيفةُ - رضي الله عنه - .
من أكثرِ الناسِ سؤالاً للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن الفتن خوفا من الوقوع فيها ، ولما حضرَهُ الموتُ قال: حبيبٌ جاءَ على فاقةٍ لا أفلَحَ من ندِمَ ، الحمدُ للَّهِ الذي سبقت بي الفتنة قادتها وعلوجها.
وكان موتُه قبلَ قتلِ عثمانَ بنحو من أربعين يومًا وقيلَ: بل ماتَ بعدَ قتلِ
عثمانَ.
وكانَ في تلكَ الأيامِ رجلٌ من الصحابةِ نائمًا فأتاهُ آتٍ في منامهِ فقال
له: قمْ ، فاسأل اللَّهَ أن يعيذَك من الفتنةِ التي أعاذَ منها صالحَ عبادِهِ ، فقام
فتوضَّأ وصلَّى ثم اشتكَى وماتَ بعد قليلٍ.
وقد رويَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنهُ قال لرجل:
"إذا مت أنا وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ فإن استطعتَ أنْ تموتَ فمُتْ"
وهذا إشارةٌ إلى هذه الفتن التي وقدتْ بمقتلِ عثمانَ - رضي الله عنه - .
والدعاءُ بالموتِ خشيةَ الفتنةِ في الدينِ جائزٌ وقد دعا به الصحابةُ - رضي الله عنهم - والصالحونَ بعدَهم ، ولما حجَّ عمرُ - رضي الله عنه - آخرَ حجَّة حجَّها استلقى بالأبطح ثم رفعَ يديهِ وقالَ: اللهمُّ إنه قد كبرَ سنِّي ورقَّ عظمي وانتشرتْ رعيتي فاقبضني إليكَ غيرَ مُضيِّع ولا مفتون ، ثم رجع إلى المدينة ، فما انسلخَ حتى قتلَ - رضي الله عنه - .
ودعا عليٌّ ربَّهُ أن يريحهُ من رعيتِه حيثُ سَئمَ منهم فقتلَ عن قريبٍ.