"فأعطاني اللهُ لذلكَ أن جعلَني سيدَ ولدِ آدمَ وأولَ شافع وأولَ مشفع وأولَ من تنشقُّ عنه الأرضُ"
وصحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قالَ:
"إنَّما أنا عبدٌ فقولوا عبدُ اللَّهِ ورسولُه"
فأشرفُ أسمائهِ عبدُ اللَّهِ ولهذا سُمِّي بهذا الاسم في القرآنِ في أفخرِ مقاماتِه ، فلما حققَ - صلى الله عليه وسلم - عبوديته لربِّه حصلتْ له
السيادةُ على جميع الخلقِ.
كانَ كثير من العارفينَ يقولُ في مناجاتهِ لربِّه:
كفى بي فخرًا أنِّي لكَ عبدٌ وكفَى بي شرفًا أنكَ لي ربٌّ.
وكانَ بعضُهُم يقولُ:
كلَّما ذكرتُ أنه ربِّي وأنا عبدُه حصلَ لي من السرور ما يصلحُ به بدَني:
شرفُ النفوسِ دخولُها في رقِّهم ... والعبدُ يحوِي الفخرَ بالمتملكِ
وكان أبو يزيدِ البسطاميُّ ينشدُ:
يا ليتني صرتُ شيئًا ... من غيرِ شيء أعد
أصبحتُ للكلِّ مولى ... لأنَّني لكَ عبدُ
فمنِ انكسَرَ قلبُه للهِ عز وجل واستكانَ وخشع وتواضعَ جبرهُ اللَّهُ عز وجل
رفعهُ بقدرِ ذلكَ ، وفي الأثرِ المشهورِ أن اللَّهَ عز وجل قالَ لموسى على نبيِّنا
وعليهِ أفضلُ الصلاةِ والسلامِ حينَ سألَهُ أينَ أجدكَ ؟
قالَ: عندَ المنكسرةِ قلوبُهُم من أجلي ، فإني أدْنو منهُم كلَّ يوم باعًا ولولا ذلكَ انهدَموا.
وروِي عن عبدِ اللَّهِ بي سلامٍ أنه فسرهُ فقال: هم المنكسرة قلوبُهُم بحبِّ
اللَّهِ عن حبِّ غيرهِ ، وفي الحديثِ المشهورِ المرفوع:
"أنَّ اللَهَ تعالى إذا تجلَّى لشيء من خلقِهِ خشعَ له"
فإذا تجلَّى لقلوبِ العارفينَ عظمةُ اللَّهِ وجلالهُ وكبرياؤه
اندكت قلوبهم من هيبتِهِ وخشعتْ وانكسرتْ من محبَّتِهِ ومخافتِهِ:
مساكينُ أهلِ الحبِّ حتى قبورُهم ... عليها ترابُ الذلِّ بينَ المقابرِ
فالمسكينُ في الحقيقةِ من استكانَ قلبُهُ لربه وخشعَ من خشيتِهِ ولا يكونُ