{وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً} [الصافات: 8 - 9] يرمون كلماتهم الشريفة من كل جانب من جوانب أصحاب الأنفاس المطهرة؛ فيلقونها إلى أوليائهم من مدعي هذا الحديث، فمن دعواهم أكثر من معناهم على غير وجهها؛ فيفهمون هؤلاء منها ما يقرب إلى طبعهم وهواهم، ويتوهمون أنها من الحقائق والأسرار، فإنهم بهذه الخيالات الفاسدة والتمويهات الكاسدة، ساروا من أهل الأسرار وأرباب الحقائق، وبهذا الحسبان والتمني يخالفون الشريعة وشموس ما الحقيقة، فضلُّوا وأضلُّوا كثيراً فيستحقون بهذا الطرد والإبعاد.
{وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ* إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 9 - 10] ، كذلك إذا اغتمَّ الشيطان من الأولياء أن بلغ إليهم شيئاً من وساوسه فإذا هم مبصرون.
{فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} [الصافات: 11] عرفهم عجزهم عن الإثبات، وضعفهم في كل حال، ثم ذكرهم نسبتهم إلى الطين اللازب، كما قال: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} [الصافات: 11] يشير به إلى أنه تعالى أودع في طينة الإنسانية خصوصية لزوب ولصوق، وبكل شيء صادفه؛ فصادف قوم الدنيا فلصقوا بها، وصادف قوم الآخرة فلصقوا بها، وصادف قوم نفحات ألطاف الحق فلصقوا بها؛ فأذابتهم وجذبتهم عن أنانيتهم بهويتها كما تذيب الشمس الثلج وتجذبه، بل عجبت إذا تحققت هذا المعنى، ويسخرون بهذا المحرومون عن هذه السعادة.