وقرأ هارون ، عن أبي عمرو: تظهرون ، بفتح التاء والهاء وسكون الظاء ، مضارع ظهر ، مخفف الهاء ، وفي مصحف أبي: تتظهرون ، بتاءين.
فتلك تسع قراءات ، والمعنى: قال لها: أنت علي كظهر أمي.
فتلك الأفعال مأخوذة من هذا اللفظ كقوله: لبى المحرم إذا قال لبيك ، وأفف إذا قال أف.
وعدى الفعل بمن ، لأن الظهار كان طلاقاً في الجاهلية ، فيتجنبون المظاهر منها ، كما يتجنبون المطلقة ، والمعنى: أنه تباعد منها بجهة الظهار وغيره ، أي من امرأته.
لما ضمن معنى التباعد ، عدى بمن ، وكنوا عن البطن بالظهر إبعاداً لما يقارب الفرج ، ولكونهم كانوا يقولون: يحرم إتيان المرأة وظهرها للسماء ، وأهل المدينة يقولون: يجيء الولد إذ ذاك أحول ، فبالغوا في التغليظ في تحريم الزوجة ، فشبهها بالظهر ، ثم بالغ فجعلها كظهر أمه.
وروي أن زيد بن حارثة من كلب سبي صغيراً ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة ، فوهبته لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وجاء أبوه وعمه بفدائه ، وذلك قبل بعثة رسول الله ، فأعتقه ، وكانوا يقولون: زيد بن محمد ، فنزلت.
{وما جعل أدعياءكم أبناءكم} الآية: وكانوا في الجاهلية وصدر الإسلام إذا تبنى الرجل ولد غيره صار يرثه.
وأدعياء: جمع دعي ، فعيل بمعنى مفعول ، جاء شاذاً ، وقياسه فعلى ، كجريح وجرحى ، وإنما هذا الجمع قياس فعيل المعتل اللام بمعنى فاعل ، نحو: تقي وأتقياء.
شبهوا أدعياء بتقي ، فجمعوه جمعه شذوذاً ، كما شذوا في جمع أسير وقتيل فقالوا: أسراء وقتلاء ، وقد سمع المقيس فيهما فقالوا: أسرى وقتلى.
والبنوة تقتضي التأصل في النسب ، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية ، فلا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلاً غير أصيل.
{ذلكم} : أي دعاؤهم أبناء مجرد قول لا حقيقة لمدلوله ، إذ لا يواطئ اللفظ الاعتقاد ، إذ يعلم حقيقة أنه ليس ابنه.
{والله يقول الحق} : أي ما يوافق ظاهراً وباطناً.