الخامسة: واختلف في كونهن كالأمهات في المَحْرَم وإباحة النظر ؛ على وجهين: أحدهما: هنّ مَحْرَم ، لا يحرم النظر إليهنّ.
الثاني: أن النظر إليهن محرّم ، لأن تحريم نكاحهن إنما كان حفظاً لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهن ، وكان من حفظ حقّه تحريمُ النظر إليهن ؛ ولأن عائشة رضي الله عنها كانت إذا أرادت دخول رجل عليها أمرت أختها أسماء أن ترضعه ليصير ابناً لأختها من الرضاعة ، فيصير مَحْرَماً يستبيح النظر.
وأما اللاتي طلقهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته فقد اختلف في ثبوت هذه الحرمة لهن على ثلاثة أوجه: أحدها: ثبتت لهن هذه الحرمة تغليباً لحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الثاني: لا يثبت لهن ذلك ، بل هن كسائر النساء ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أثبت عصمتهن ، وقال:"أزواجي في الدنيا هنّ أزواجي في الآخرة"الثالث: من دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم منهن ثبتت حرمتها وحَرُم نكاحها وإن طلقها ؛ حفظاً لحرمته وحراسة لخلوته.
ومن لم يدخل بها لم تثبت لها هذه الحرمة ؛ وقد همّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه برجم امرأة فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوّجت فقالت: لم هذا! وما ضرب عَليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاباً ولا سُمّيت أمّ المؤمنين ؛ فكفّ عنها عمر رضي الله عنه.
السادسة: قال قوم: لا يجوز أن يُسَمَّى النبيّ صلى الله عليه وسلم أباً لقوله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} .
ولكن يقال: مِثل الأب للمؤمنين ؛ كما قال:"إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلِّمكم ..."
"الحديث."
خرجه أبو داود.
والصحيح أنه يجوز أن يقال: إنه أبٌ للمؤمنين ، أي في الحرمة ، وقوله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} أي في النسب.
وسيأتي.
وقرأ ابن عباس:"مِنْ أنفسهم وهو أبٌ لهم وأزواجه".