وهذا مثل لاجتهاد نبيَّنا عليه الصلاة والسلام في نجاتنا ، وحرصه على تخلّصنا من الهلكات التي بين أيدينا ؛ فهو أوْلى بنا من أنفسنا ؛ ولجهلنا بقدر ذلك وغلبة شهواتنا علينا وظفر عدوّنا اللعين بناصِرنا أحقر من الفِراش وأذلّ من الفَراش ، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم! وقيل: أولى بهم أي أنه إذا أمر بشيء ودعت النفس إلى غيره كان أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أوْلى.
وقيل: أولى بهم أي هو أولى بأن يحكم على المؤمنين فينفذ حكمه في أنفسهم ؛ أي فيما يحكمون به لأنفسهم مما يخالف حكمه.
الثانية: قال بعض أهل العلم: يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال دين الفقراء اقتداءً بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه قد صرح بوجوب ذلك عليه حيث قال:"فعليّ قضاؤه"والضَّياع (بفتح الضاد) مصدر ضاع ، ثم جعل اسماً لكل ما هو بصدد أن يضيع من عيال وبنين لا كافل لهم ، ومال لا قَيّم له.
وسمّيت الأرض ضَيعة لأنها معرّضة للضياع ، وتجمع ضِياعاً بكسر الضاد.
الثالثة: قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} شرّف الله تعالى أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم بأن جعلهن أمهات المؤمنين ؛ أي في وجوب التعظيم والمبرّة والإجلال وحرمة النكاح على الرجال ، وحجبهن رضي الله تعالى عنهن بخلاف الأمهات.
وقيل: لما كانت شفقتهن عليهم كشفقة الأمهات أنزلن منزلة الأمهات ، ثم هذه الأمومة لا توجب ميراثاً كأمومة التَّبنِّي.
وجاز تزويج بناتهن ، ولا يجعلن أخوات للناس.
وسيأتي عدد أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم في آية التخيير إن شاء الله تعالى.
واختلف الناس هل هنّ أمهات الرجال والنساء أم أمهات الرجال خاصة ؛ على قولين: فروى الشعبيّ عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة قالت لها: يا أمّة ؛ فقالت لها: لست لك بأمّ ، إنما أنا أمّ رجالكم.
قال ابن العربي: وهو الصحيح.