ثم بيَّن أنه تخفي عليهم كل طرق العلم التي كانت تجديهم في الدنيا، فقال: {فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ} ؛ أي: فلا يسأل بعضهم بعضًا عن الجواب النافع، كما يتساءل الناس في المشكلات؛ لأنهم يتساوون جميعًا في العجز عن الجواب المنجي، لما اعتراهم من الدهشة، وعظيم الهول فلا نطق ولا عقل، أو لعلمهم بأن الكل سواء في الجهل، وفي"الخازن": {فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ} ؛ أي: لا يجيبون ولا يحتجون، وقيل: يسكتون فلا يسأل بعضهم بعضًا. اهـ.
وقرأ الجمهور: {فَعَمِيَتْ} بفتح العين وتخفيف الميم، وقرأ الأعمش وجُناح بن حُبيش وأبو زرعة هرم بن عمرو بن جرير: بضم العين وتشديد الميم، والمعنى: أُظلمت عليهم الأمور فلم يستطيعوا أن يُخبروا بما فيه نجاة لهم. وأتى بلفظ الماضي لتحقق وقوعه، وقرأ طلحة: {يَتَسَاءَلُونَ} بإدغام التاء في السين؛ أي: لا يسأل بعضهم بعضًا فيما يتحاجون به، إذ أيقنوا أنه لا حجة لهم، فهم في عمى وعجز عن الجواب، والمراد بالنبأ الخبر عما أجاب به المرسل إليه رسوله.
67 -ولما ذكر تعالى أحوال الكفار يوم القيامة، وما يكون منهم فيه أخبر بأن من تاب من الشرك وآمن وعمل صالحًا، فإنه مرجوٌّ له الفلاح والفوز في الآخرة، وهذا ترغيب للكافر في الإِسلام، وضمان له بالفلاح، فقال: {فَأَمَّا مَنْ تَابَ} من الشرك {وَآمَنَ} بما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - {وَعَمِلَ} عملًا {صَالِحًا} ؛ أي: خالصًا لوجه الله {فَعَسَى} ؛ أي: فحق {أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} ؛ أي: من الفائزين بالمطلوب عند الله تعالى الناجين من المكروه.
و {عَسَى} وإن كانت في الأصل للرجاء فهو من الله سبحانه واجب، مفيد للتحقق، على ما هو عادة الكرام، وقيل: إن الترجي هو من التائب المذكور، لا من جهة الله سبحانه، بمعنى فليتوقع الفلاح، والمعنى: فأما من تاب من المشركين وراجع الحق، وأخلص لله بالألوهية، وأفرد له العبادة وصدَّق نبيَّه، وعمل بما أمر به في كتابه على لسان نبيه فهو من الفائزين الذين أدركوا مطالبهم، وفازوا بجنات النعيم، خالدين فيها أبدًا.