روى محمد بن إسحاق أنه قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة عشرون رجلًا أو يزيدون من نصارى الحبشة، حين بلغهم خبره، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه، وكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلته عما أرادوا دعاهم إلى الله، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله، وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من ورائكم من أهل دينكم ترتادون لهم، لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم، وصدقتموه فيما قال، ما رأينا ركبًا أحمق منكم، فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه.
واعلم: أن اللغو عند أهل المعرفة كل ما يشغلك عن العبادة وذكر الحق، وكل كلام بغير خطاب الحال والواقعة، وطلب ما سوى الله سبحانه وتعالى.
56 - {إِنَّكَ} يا محمد {لَا تَهْدِي} هداية موصلة إلى المقصود لا محالة، {مَنْ أَحْبَبْتَ} هدايته، وقيل: أحببته لقرابته؛ أي: إنك يا محمد لا تستطيع هداية من أحببت من قومك، أو من غيرهم هداية موصلة إلى البغية، ولا تقدر أن تدخله في الإِسلام، وإن بذلت فيه غاية الطاقة، وسعيت كل السعي، {وَلَكِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} هدايته فيدخله في الإِسلام؛ أي: إن الله سبحانه يقذف في قلب من يشاء نور الهداية فينشرح صدره للإسلام، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة في ذلك، وإنما عليك البلاغ.
{وَهُوَ} سبحانه {أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} ؛ أي: بالمستعدين للهداية من غيرهم، فلا يهدي إلا المستعد لها، فيُمْنَحونها، ومنهم الذين ذكرت أوصافهم من أهل الكتاب، دون من هم من أهل الغواية، كقومك وعشيرتك. وفي"الخازن": {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} ؛ أي: بمن قدر له في الأزل أن يهتدي. اهـ.