ثم يقال: لو كان لهم ذلك الحجاج على زعمكم، فلا يكون ذلك لهم بقولنا، ولكن إنما يكون بكتاب اللَّه وسنة رسوله وقول المسلمين أجمع حيث قالوا: (ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن) ، وبكتاب اللَّه ما ذكر في غير آي من القرآن (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) ، وقوله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) ، وقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) ، وقوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا...) الآية، وأمثاله مما لا يحصى من الآيات، فلئن كان لهم ذلك إنما يكون بما ذكرنا لا بقولنا.
وأصله: أنه لا يكون لهم هذا النوع من الاحتجاج؛ لأنهم وقت فعلهم لا يفعلون بان اللَّه شاء ذلك لهم أو قضى وكتب ذلك عليهم، وهم يودون ويحبون وقت فعلهم أن يشاء اللَّه ذلك منهم ويرضى، فإذا كانوا وقت فعلهم لا يفعلون لذلك، فكيف يكون لهم الحجاج على ما كانوا عليه يفعلون لا لذلك؟!
لكن هذا منهم ثعليم الكذب لهم ليكذبوا بين يدي رب العالمين على ما ذكر.
وأصل قولنا في هذا: أنا نقول: إنه شاء من كل ما علم أنه يكون منه ويختار، وكذلك قضى وكتب على كل ما علم أنه يكون منه؛ إذ لا يجوز أن يشاء منه خلاف ما علم أنه يكون؛ لأن فيه أحمد وجهين:
إما الجهل بالعواقب.
وإما العجز فيه.
وذانك عن اللَّه منفيان، تعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرا.
وأصلهما: ما روي عن أبي حنيفة - رحكمه اللَّه - أنه قال: بيننا وبين القدرية حرفان: أحدهما: أنا نقول لهم: إن اللَّه علم ما يكون أنه يكون، فإن قالوا: لا، كفروا؛ لأنهم جهلوا اللَّه، وإن قالوا: بلى، فيقال لهم: وشاء أن يكون ما علم أنه يكون، فإن قالوا: لا، كفروا؛ لأنهم يقولون: شاء أن يجهل، وذلك كفر، وإن قالوا: بلى شاء ذلك، لزمهم قولنا في المشيئة والإرادة لله في ذلك.