وأكثر المفسرين على أن الضمير يعود إلى المنافقين ومرضى القلوب ابتداء، ويكون تحذيرا للمؤمنين بعامة من أن يكون منهم مثل هذا الذي يحلف الأيمان الفاجرة، وقد رد الله تعالى هذه الأيمان، وقال سبحانه: (قُل لَا تُقْسِمُوا) وهذا فيه إيماء إلى أنها غير صادقة، وفيه تصريح بردها زجرا لهم؛ لأنهم بهذا يرتكبون إثميْن إثم التخلف عن الجهاد، وإثم اليمين الفاجرة، وإن بدل الإثم أن يتجهوا إلى الطاعة، ولذا قال سبحانه: (طَاعَةٌ معْروفَةٌ) ، أي طاعة حقيقية مشهورة معروفة
لا مجال لإنكارها، ولا للتردد فيها، إذ هي قاطعة؛ لأنها ثابتة بالعيان لَا بالقول مجردا، والقسم (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) أي عالم علما دقيقا بمما يعملون، أي بما يستمرون عليه من عمل يتفق مع إيمانهم أو لَا يتفق، وإنه يعلم ما تبدون وما تكتمون، ولا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء.
وننبه هنا إلى أمور ثلاثة:
أولها: أن قوله تعالى: (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ) فقوله: (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ) هي القسم، وهي تتضمن فعل الشرط، كأنه يوهم إلى أنهم لم يؤمروا مع أن الأمر عام
يدخلون فيه إن كانوا صادقين، وهم كاذبون، كما قال الله تعالى: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ(46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) ،
والحديث عنهم بالغياب، لأنه بيان لقولهم وأحوالهم.
ثانيها: الانتقال إلى الخطاب في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم: (قُلْ لَا تُقْسِمُوا) لمواجهتهم بالأمر والتقصير والنفاق في القول، والفُجر في الأيمان.
ثالثها: أن الضمير في (وأقسموا) يعود إلى المنافقين أو إلى المسلمين عامة وفيهم المنافقون وضعاف الإيمان، ولكن لم يكن من قبل ذكر لهؤلاء إلا المؤمنين.