وَثَالِثُهَا: أَنَّ تَمَكُّنَ الشَّيْطَانِ مِنْ ذَلِكَ الْإِلْقَاءِ هُوَ الْحَقُّ، أَمَّا عَلَى قَوْلِنَا فَلِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَيَّ شَيْءٍ فَعَلَ فَقَدْ تَصَرَّفَ فِي مُلْكِهِ وَمِلْكِهِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا فَكَانَ حَقًّا، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فَلِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ حَكِيمٌ فَتَكُونُ كُلُّ أَفْعَالِهِ صَوَابًا فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ أَيْ تَخْضَعُ وَتَسْكُنُ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْمَقْضِيَّ كَائِنٌ، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خلق له، (وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا) إِلَى أَنْ يَتَأَوَّلُوا مَا يَتَشَابَهُ فِي الدِّينِ بِالتَّأْوِيلَاتِ الصَّحِيحَةِ وَيَطْلُبُوا مَا أَشْكَلَ مِنْهُ مِنَ الْمُجْمَلِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْأُصُولُ الْمُحْكَمَةُ حَتَّى لَا تَلْحَقَهُمْ حَيْرَةٌ وَلَا تَعْتَرِيَهُمْ شُبْهَةٌ وَقُرِئَ (لَهَادٍ الَّذِينَ آمَنُوا) بِالتَّنْوِينِ، وَلَمَّا بَيَّنَ سُبْحَانَهُ حَالَ الْكَافِرِينَ أَوَّلًا ثُمَّ حَالَ الْمُؤْمِنِينَ ثَانِيًا عَادَ إِلَى شَرْحِ حَالِ الْكَافِرِينَ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ: (وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ أَيْ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ مِنَ الرَّسُولِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَعْصَارَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ لَا تَخْلُو مِمَّنْ هَذَا وَصْفُهُ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً) أَيْ فَجْأَةً مِنْ دُونِ أَنْ يَشْعُرُوا ثُمَّ جَعَلَ السَّاعَةَ غَايَةً لِكُفْرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ عِنْدَ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِلْجَاءِ.