ومن أصرح الأدلة في ذلك: ما رواه مسلم في صحيحه ، عن جابر بلفظ"ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة بقرة يوم النحر"ومعلم أنها كانت قارنة ، على التحقيق فتلك البقرة دم قران ، وذلك دليل على لزومه ، وما ذكره ابن قدامة في المغني ، من أنه روي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من قرن بين حجه وعمرته فليهرق دماً"لم أعرف له أصلاً ، والظاهر أنه لا يصح مرفوعاً. والله تعالى أعلم.
وأكثر أهل العلم: على أن القارن إن كان أهله حاضري المسجد الحرام ، أنه لا دم عليه ، لأنه متمتع أو في حكم المتمتع ، والله يقول {ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام} [البقرة: 196] .
وقال ابن قدامة في المغني ، وهو قول جمهور العلماء: وقال ابن الماجشون: عليه دم ، لأن الله تعالى أسقط الدم عن المتمتع ، وهذا ليس متمتعاً ، وليس هذا بصحيح ، فإننا ذكرنا أنه متمتع ، وإن لم يكن متمتعاً ، فهو مفرع عليه ، ووجوب الدم على القارن ، إنما كان بمعنى النص على التمتع ، فلا يجوز أن يخالف الفرع أصله. انتهى منه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: حاصل هذا الكلام: أن القارن كالمتمتع في أن كلا منهما إن كان في حاضري المسجد الحرام ، لا دم عليه ، وذكر صاحب المغني: أن ابن الماجشون خالف في ذلك ، وقال: عليه دم ، وله وجه قوي من النظر على قول الجمهور: أنه يكفيه طواف واحد وسعي واحد لحجه ، وعمرته.
فقد انتفع بإسقاط عمل أحد النسكين ، ولزوم الدم في مقابل ذلك ، له وجه من النظر كما ترى.