أما قوله: {والصابئون . .} [المائدة: 69] بالرفع على خلاف القاعدة في العطف ، حيث عطفت على منصوب ، والمعطوف تابع للمعطوف عليه في إعرابه ، فلماذا وسَّط مرفوعاً بين منصوبات؟
قالوا: لا يتم الرفع بين المنصوبات إلا بعد تمام الجملة ، فكأنه قال: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ، والصابئون كذلك ، فعطف هنا جملة تامة ، فهي مُؤخَّرة في المعنى ، مُقدَّمة في اللفظ ، وهكذا تشمل الآية التقديم والتأخير السابق .
لكن ، كيف ينشأ الخلاف بين الأديان؟
ينشأ الخلاف من أن قوماً يؤمنون بإله ويؤمنون بالنبي المبلِّغ عن هذا الإله ، لكنهم يختلفون على أشياء فيما بينهم ، كما نرى الخلاف مثلاً بين المعتزلة وأهل السنة ، أو الجبرية والقدرية ، فجماعة تثبت الصفات ، وآخرون يُنكرونها ، جماعة يقولون: الإنسان مُجْبَر في تصرفاته ، وآخرون يقولون: بل هو مختار .
وقد ينشأ الخلاف بين الأديان للاختلاف في النبوات ، فأهل الديانات يؤمنون بالإله الفاعل المختار ، لكن يختلفون في الأنبياء موسى وعيسى ومحمد مع أنهم جميعاً حَقٌّ . وقد ينشأ الخلاف من الادعاء ، كالذين يدَّعُون النبوة كهؤلاء الذين يعبدون النار ، أو يعبدون بوذا مثلاً .
فهذه ست طوائف مختلفة ذكرتهم الآية ، فما حكم هؤلاء جميعاً بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ؟
نقول: أما المشركون الذين عبدوا الأصنام ، وكذلك الذين عبدوا النبوة المدَّعاة ، فهؤلاء كفار ضائعون .
أما اليهود والنصارى الذين يؤمنون بإله فاعل مختار ، ويؤمنون بنبوة صادقة ، فشأنهم بعد ظهور الإسلام ، أن الله تعالى أقام لنا تصفية آخر الأمر لهذه الديانات ، فمَنْ كان يهودياً قبل الإسلام ، ومن كان نصرانياً قبل الإسلام ، فإن الله أجْرى لهم تصفية عقدية هي الإسلام ، فإنْ كانوا مؤمنين الإيمان الأول بالله تعالى فعليهم أنْ يبدأوا من جديد مؤمنين مسلمين .