وقد أجرى علماء الإحصاء إحصاءات على بعض بيوتنا ، فوجدوا الإخوة في البيت الواحد ، وفي ظروف بيئية واحدة وأب واحد ، وأم واحدة ، حتى التعليم في المدرس على مستوى واحد ، ومع ذلك تجد أحد الأبناء مستقيماً ملتزماً ، وتجد الآخر على النقيض ، فلمَّا بحثوا في سبب هذه الظاهرة وجدوا أن الولد المستقيم كانت فترة تربيته وطفولته في وقت كان والده مريضاً ويلازم بيته لمدة ست سنوات ، فأخذ هذا الولد أكبر قِسْط من الرعاية والتربية ، ولم يجد الفرصة للخروج من البيت أو الاختلاط برفاق السوء .
وفي نموذج آخر لأحد الأبناء المنحرفين وجدوا أن سبب انحرافه أن والده في فترة تربيته وتنشئته كان تاجراً ، وكان كثير الأسفار ، ومع ذلك كان يُغْدِق على أسرته ، فتربَّى الولد في سَعَة من العيش ، بدون مراقبة الأب .
وفي نموذج آخر وجدوا أخوين: أحدهما متفوق ، والآخر فاشل ، ولما بحثوا أسباب ذلك رغم أنهما يعيشان ظروفاً واحدة وجدوا أن الابن المتفوق صحته ضعيفة ، فمال إلى البيت والقراءة والاطلاع ، وكان الآخر صحيحاً وسيماً ، فمال إلى حياة الترف ، وقضى معظم وقته خارج البيت .
والأمثلة في هذا المجال كثيرة .
إذن: فالابتلاءات لها مغانم ، ومن ورائها حِكَم ؛ لأنها ناشئة وجارية عليك بحكمة ربك وخالقك ، وليست من سَعْيك ولا من عمل يدك ، وما دامت كذلك فارْضَ بها ، واعبد الله بإخلاص وإيمان ثابت في الخير وفي الشر .
ومعنى: {يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ . .} [الحج: 11] والحرف: هو طرف الشيء ، كأن تدخل فتجد الغرفة ممتلئة فتجلس على طرف في آخر الجالسين ، وهذا عادةً لا يكون معه تمكُّن واطمئنان ، كذلك مَنْ يعبد الله على حرف يعني: لم يتمكَّن الإيمان من قلبه ، وسرعان ما يُخرِجه الابتلاء عن الإيمان ، لأنه عبد الله عبادةً غير متمكنة باليقين الذي يصدر عن المؤمن بإله حكيم فيما يُجريه على عبده .