والآية لم تترك شيئاً من هواجس النفس البشرية سواء في الخير أو في الشر .
وتأمل قول الله تعالى: {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ . .} [الحج: 11] وكذلك: {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ . .} [الحج: 11] فأنت لا تقول: أصبتُ الخيرَ ، إنما الخير هو الذي أصابك وأتاك إلى بابك ، فأنت لا تبحث عن رزقك بقدر ما يبحث هو عنك ؛ لذلك يقول تعالى: {وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ . .} [الطلاق: 2 - 3] .
ويقول أهل المعرفة: رِزْقك أعلم بمكانك منك بمكانه ، يعني يعرف عنوانك أما أنت فلا تعرف عنوانه ، بدليل أنك قد تطلب الرزق في مكان فلا تُرزَق منه بشيء ، وقد ترى الزرع في الحقول زاهياً تأمل فيه المحصول الوفير ، وتبني عليه الآمال ، فإذا بعاصفة أو آفة تأتي عليه ، فلا تُرزَق منه حتى بما يسدُّ الرَّمَق .
ولنا عبرة ومثَلٌ في ابن أُذَيْنة حين ضاقت به الحال في المدينة ، فقالوا له: إن لك صحبة بهشام بن عبد الملك الخليفة الأموي فاذهب إليه ينالك من خير الخلافة ، وفعلاً سافر ابن أذينة إلى صديقه ، وضرب إليه أكباد الإبل حتى الشام ، واستأذن فأَذن له ، واستقبله صاحبه ، وسأله عن حالة فقال: في ضيق وفي شدة . وكان في مجلس الخليفة علماء فقال له: يا عروة ألست القائل - وكان ابن أُذَيْنَة شاعراً:
لَقَد عَلِمت ومَا الإسْرَافُ مِنْ خُلُقِي ... أَنَّ الذي هُوَ رِزْقي سَوْفَ يأْتِينِي؟
وهنا أحسَّ عروة أن الخليفة كسر خاطره ، وخَيَّب أمله فيه ، فقال له: جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين ، لقد ذكَّرت مني ناسياً ، ونبَّهْتَ مني غافلاً ، ثم انصرف .