وقد انتقد بعضهم قول من قال إن الشافعي أول من ترك الاحتجاج بالمرسل، فقد نقل ترك الاحتجاج عن سعيد بن المسيب، وهو من كبار التابعين، ولم ينفرد هو بذلك بل قال به من بينهم ابن سيرين والزهري.
وقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين أنه قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قيل: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.
وقد ترك الاحتجاج بالمرسل ابن مهدي، ويحيى القطان، وغير واحد ممن قبل الشافعي، والذي يمكن نسبته إلى الشافعي في أمر المرسل هو زيادة البحث عنه والتحقيق فيه، وأخرج في الحلية من طريق ابن مهدي، عن ابن لهيعة أنه سمع شيخًا من الخوارج يقول بعدما تاب إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرنا له حديثًا.
قال ابن حجر: هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الإسلام والصحابة متوافرون ثم في عصر التابعين فمن بعدهم وهؤلاء إذا استحسنوا أمرًا جعلوه حديثًا وأشاعوه، فربما سمع الرجل الشيء فحدث به ولم يذكر من حدثه به تحسينًا للظن فيحمله عنه غيره ويجيء الذي يحتج بالمنقطعات فيحتج به مع كون أصله ما ذكرت.
وأما مراسيل الصحابة فحكمها حكم الموصول على المشهور الذي ذهب إليه الجمهور قال ابن الصلاح ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسمعوه منه لأن ذلك في حكم الموصول المسند لأن روايتهم عن الصحابة والجهالة بالصحابي غير قادحة لأن الصحابة كلهم عدول.
قال الحافظ العراقي: وفي قوله: لأن روايتهم عن الصحابة نظر، والصواب أن يقال لأن غالب روايتهم إذ قد سمع جماعة من الصحابة من بعض التابعين.
ولم يذكر ابن الصلاح خلافًا في مرسل الصحابي وفي بعض كتب الأصول أنه لا خلاف في الاحتجاج به، وليس بجيد فقد قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني إنه لا يحتج به، والصواب ما تقدم من الاحتجاج به.