وأما مراسيل من أُحضر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - غير مميز كعبيد الله بن عدي بن الخيار فلا يمكن أن يقال إنها مقبولة كمراسيل الصحابة لأن رواية الصحابة إما أن تكون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عن صحابي والكل مقبول، واحتمال كون الصحابي الذي أدرك، وسمع يروي عن التابعين بعيد بخلاف مراسيل هؤلاء فإنها عن التابعين بكثرة فقوي احتمال أن يكون الساقط غير صحابي، وجاء احتمال كونه غير ثقة.
وقال ابن حزم: المرسل من الحديث هو الذي سقط بين أحد رواته وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ناقل واحد فصاعدًا وهو المنقطع أيضًا وهو غير مقبول، ولا تقوم به حجة لأنه عن مجهول، وقد
قدمنا أن من جهلنا حاله ففرض علينا التوقف عن قبول خبره وعن قبول شهادته حتى نعلم حاله، وسواء قال الراوي حدثنا الثقة أو لم يقل لا يجب أن نلتفت إلى ذلك إذ قد يكون عنده ثقة من لا يعلم من جرحته ما يعلم غيره وقد قدمنا أن الجرح أولى من التعديل.
وقد وثق سفيان الثوري جابرًا الجعفي، وجابر قد عرف من حاله ما عرف، ولكن قد خفي أمره على سفيان فقال بما ظهر منه إليه، ومرسل سعيد بن المسيب، ومرسل الحسن البصري وغيرهما سواء لا يؤخذ منه شيء.
ثم قال رحمه الله: فواجب على كل أحد أن لا يقبل إلا من عرف اسمه وعرفت عدالته وحفظه، فما أحد ينصح نفسه يثق بحديث مرسل أصلًا.
وقال ابن تيمية: قد تنازع الناس في قبول المراسيل وفي ردها، وأصح الأقوال أن منها المقبول ومنها المردود ومنها الموقوف فمن علم من حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة قبل مرسله ومن عرف أنه يرسل عن الثقة وغير الثقة كان إرساله رواية عمن لا يعرف حاله فهذا موقوف، وما كان من المراسيل مخالفًا لما رواه الثقات كان مردودًا، وإذا كان المرسل قد ورد من وجهين وكان كل من الراويين قد أخذ العلم عن غير شيوخ الآخر فهذا يدل على صدقه فإن من أخبر بمثل ما أخبر به الآخر مع العلم بأن واحدًا منهما لم يستفد ذلك من الآخر فإنه يعلم أن الأمر كذلك.
وفي رسالة الشافعي أنه سئل: فهل تقوم بالحديث المنقطع حجة على مَن علمه؟
وهل يختلف المنقطع؟ أو هو وغيره سواءٌ؟