ونفهم من سياق القصة فيما بعد أنه كان لموسى عليه السلام هدف من رحلته هذه التي اعتزمها، وأنه كان يقصد من ورائها أمراً، فهو يعلن تصميمه على بلوغ مجمع البحرين مهما تكن المشقة، ومهما يكن الزمن الذي ينفقه في الوصول. وهو يعبر عن هذا التصميم بما حكاه القرآن من قوله: {أو أمضي حقبا} والحقب قيل عام، وقيل ثمانون عاماً. على أية حال فهو تعبير عن التصميم، لا عن المدة على وجه التحديد.
{فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا. فلما جاوزا قال لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. قال: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا ..} ..
والأرجح كذلك أن هذا الحوت كان مشوياً، وأن إحياءه واتخاذه سبيله في البحر سرباً كان آية من آيات الله لموسى، يعرف بهما موعده، بدليل عجب فتاه من اتخاذه سبيله في البحر، ولو كان يعني أنه سقط منه فغاص في البحر ما كان في هذا عجب.
ويرجح هذا الوجه أن الرحلة كلها مفاجآت غيبية. فهذه إحداها.
وأدرك موسى أنه جاوز الموعد الذي حدده ربه له للقاء عبده الصالح. وأنه هنالك عند الصخرة ثم عاد على أثره هو وفتاه فوجداه:
{قال: ذلك ما كنا نبغ. فارتدا على آثارهما قصصا. فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما} ..
ويبدو أن ذلك اللقاء كان سر موسى وحده مع ربه، فلم يطلع عليه فتاه حتى لقياه. ومن ثم ينفرد موسى والعبد الصالح في المشاهد التالية للقصة:
{قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا؟} .
بهذا الأدب اللائق بنبي، يستفهم ولا يجزم، ويطلب العلم الراشد من العبد الصالح العالم.