الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ يَخْدُمُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ ابْنُ أُخْتِهِ وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ أَفْرَائِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ.
وَإِنَّمَا سَمَّاهُ
فَتَاهُ ؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْفَتَى ، وَهُوَ الْعَبْدُ ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ} وَقَالَ: {تُرَاوِدُ فَتَاهَا} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي ، وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي} .
فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ عَبْدٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ.
وَفِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُ ابْنُ أُخْتِهِ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَا يُقْطَعُ بِهِ ، فَالْوَقْفُ فِيهِ أَسْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِيهِ الرِّحْلَةُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ الَّذِي لَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَقَدْ رَحَلَتْ الصَّحَابَةُ فِيهِ وَأُذِنَ لَهُمْ فِي التَّرَحُّلِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا فَضْلًا عَنْ الدِّينِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مِنْ الْآيَةِ الثَّامِنَةِ: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} .
جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى النِّسْيَانَ سَبَبًا لِلزِّيَادَةِ عَلَى مِقْدَارِ الْحَاجَةِ فِي الْمَسِيرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ كَانَ كَتَبَ لَهُ لِقَاءَهُ ، وَكَتَبَ الزِّيَادَةَ فِي السَّيْرِ عَلَى مَوْضِعِ اللِّقَاءِ ، فَنَفَذَ الْكُلُّ ؛ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ النِّسْيَانِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَكَذَلِكَ عَلَى الْخَلْقِ فِي مَعَانِي الدِّينِ ، وَهُوَ عَفْوٌ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، كَمَا تَقَدَّمَ.