فعلَّة إصلاح الجدار ما كان تحته من مال يجب أنْ يحفظ لحين أنْ يكبُرَ هذان الغلامان ويتمكنا من حفظه وحمايته في قرية من اللئام . وكأن الحق سبحانه وتعالى أرسله لهذين الغلامين في هذا الوقت بالذات ، حيث أخذ الجدار في التصدُّع ، وظهرت عليه علامات الانهيار ليقوم بإصلاحه قبل أنْ يقع وينكشف أمر الكنز وصاحبيه في حال الضعف وعدم القدرة على حمايته .
ثم إن العبد الصالح أصلح الجدار ورَدَّه إلى ما كان عليه رَدَّ مَنْ علَّمه الله من لَدُنْه ، فيقال: إنه بنَاهُ بناءً موقوتاً يتناسب وعُمْرَ الغلامين ، وكأنه بناه على عمر افتراضي ينتهي ببلوغ الغلامين سِنَّ الرشْد والقدرة على حماية الكنز فينهار . وهذه في الواقع عملية دقيقة لا يقدر على حسابها إلا مَنْ أُوتِي علماً خاصاً من الله تعالى .
ويبدو من سياق الآية أنهما كانا في سِنٍّ واحدة توأمين لقوله تعالى: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا . .} [الكهف: 82] أي: سوياً ، ومعنى الأشُدّ: أي القوة ، حيث تكتمل أجهزة الجسم وتستوي ، وأجهزة الجسم تكتمل حينما يصبح المرء قادراً على إنجاب مثله .
وتلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال هنا: {يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا . .} [الكهف: 82] ولم يقُلْ رُشْدهما ، لأنْ هناك فرْقاً بين الرُّشْد والأَشُدّ فالرُّشْد: حُسْن التصرُّف في الأمور ، أما الأشُدَّ: فهو القوة ، والغلامان هنا في حاجة إلى القوة التي تحمي كَنْزهما من هؤلاء اللئام فناسب هنا {أَشُدَّهُمَا . .} [الكهف: 82]