ولا يفوت الخضر عليه السلام أن ينسب الخير هنا أيضاً إلى الله ، فيقول: أنا أُحب هذا العمل وأريده ، إنما الذي يُبدّل في الحقيقة هو الله تعالى: {فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً} [الكهف: 81] فهذا الخير من الله ، وما أنا إلا وسيلة لتحقيقه .
وقوله: {خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً . .} [الكهف: 81] أي: طُهْراً {وَأَقْرَبَ رُحْماً} [الكهف: 81] لأنهما أرادا الولد لينفعهما في الدنيا ، وليكون قُرَّة عَيْن لهما ، ولما كانت الدنيا فاتنة لا بقاءَ لها ، وقد ثبت في علمه تعالى أن هذا الولد سيكون فتنة لأبويْه ، وسيجلب عليهما المعاصي والسيئات ، وسيجرّهما إلى العذاب ، كانت الرحمة الكاملة في أخذه بدل أنْ يتمتّعا به في الدنيا الفانية ، ويشقيَا به في الآخرة الباقية .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المدينة ...} .
{لِغُلاَمَيْنِ} أي: لم يبلغا سِنَّ الرشْد ، وفوق ذلك هما يتيمان .
وكان تحت هذا الجدار المائل كَنْز لهذين الغلامين الغير قادرين على تدبير شأنهما ، ولك أنْ تتصوّر ما يحدث لو تهدَّم الجدار ، وانكشف هذا الكنز ، ولمع ذهبه أمام عيون هؤلاء القوم الذين عرفت صفاتهم ، وقد منعوهما الطعام بل ومجرد المأْوى ، إنَّ أقل ما يُوصفون به أنهم لِئَام لا يُؤتمنون على شيء . ولقد تعوَّدنا أن نعبر عن شدة الضياع بقولنا: ضياع الأيتام على موائد اللئام .
إذن: فلا شَكَّ أن ما قام به العبد الصالح من بناء الجدار وإقامته أو ترميمه يُعَدُ بمثابة صَفْعة لهؤلاء اللئام تناسب ما قابلوهم به من تنكُّر وسوء استقبال ، وترد لهم الصَّاع صاعين حين حرمهم الخضر من هذا الكنز .